الأدب

عندما تتكلم الدموع... وتسقط كالانهار على الخدود

وتصبح كل كلمات الحب مجرد كلام ,,معدوم

وتضيق بك جدران بيتك والقلوب

تذكر حين اذن..أنك انسان ,,مهزوم

دراسة نقدية مقدمة من الاستاذ دكتور / محمد نعمان جلال

مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية الاسبق و سفير مصر في الصين و باكستان 

كتب |أحمد جميل

22- يناير- 2023

القاهرة

الشاعر ابو العلاء المعري ظهر و لمع اسمه في العصر العباسي..

أحمد بن عبد الله بن سليمان، التنوخي المعري. شاعر وفيلسوف. ولد ومات في معرة النعمان. كان نحيف الجسم، أصيب بالجدري صغيراً فعمى في السنة الرابعة من عمره. وقال الشعر وهو ابن

 إحدى عشرة سنة. ورحل إلى بغداد سنة 398 هـ فأقام بها سنة وسبعة أشهر. وهو من بيت علم كبير في بلده. ولما مات وقف على قبره 84 شاعراً يرثونه. وكان يلعب بالشطرنج والنرد. وإذا أراد التأليف أملى على كاتبه علي بن عبد الله بن أبي هاشم. وكان يحرم إيلام الحيوان، ولم يأكل اللحم خمساً وأربعين سنة. وكان يلبس خشن الثياب. أما شعره وهو ديوان حكمته وفلسفته، فثلاثة أقسام: (لزوم ما لا يلزم - ط) ويعرف باللزوميات، و (سقط الزند - ط) و (ضوء السقط - خ) وقد ترجم كثير من شعره إلى غير العربية وأما كتبه فكثيرة وفهرسها في معجم الأدباء. وقال ابن خلكان: من تصانيفه كتاب (الأيك والغصون) في الأدب يربى على مئة جزء. وله (تاج الحرة) في النساء وأخلاقهن وعظاتهن، أربع مئة كراس، و (عبث الوليد - ط) شرح به ونقد ديوان البحتري، و (رسالة الملائكة - ط) صغيرة، وهي مقدمتها، ثم نشر المجمع العلمي الرسالة كاملة، و (اختيارات الأشعار، في الأبواب- خ) في أياصوفية و (شرح ديوان المتنبي - خ) جزآن، تم نسخهما سنة 1059 هـ، في خزانة الشيخ محمد طاهر بن عاشور، بتونس. و (رسالة الغفران - ط) من أشهر كتبه، و (ملقى السبيل - ط) رسالة، و (مجموع رسائله - ط) و (خطبة الفصيح) ضمنها كل ما حواه فصيح ثعلب، و (الرسائل الإغريقية - خ) و (الرسالة المنبجية - خ) و (الفصول والغايات - ط) الجزء الأول منه و (اللامع العزيزي- خ) في مخطوطات جامعة الرياض، وهو شرح لديوان المتنبي، ألفه لعزيز الدولة فاتك بن عبد الله (240 ورقة) ولكثير من الباحثين تصانيف في آراء المعري وفلسفته، منها ليوسف البديعي (أوج التحري عن حيثية أبي العلاء المعري - ط) ولكمال الدين ابن العديم (الإنصاف والتحري، في دفع الظلم والتجري، عن أبي العلاء المعري - ط) ولعبد العزيز الميمني (أبو العلاء وما إليه - ط) ولزكي المحاسني (أبو العلاء المعري ناقد المجتمع - ط) ولسامي الكيالي (أبو العلاء المعري - ط) ولطه حسين (ذكرى أبي العلاء - ط) و (مع أبي العلاء في سجنه - ط) ولأحمد تيمور (أبو العلاء المعري، نسبه وأخباره وشعره - ط) رسالة، ولعباس محمود العقاد (رجعة أبي العلاء - ط) ولوزارة المعارف أشهر رسائل أبي العلاء الأدبية في عصره، عدها ابن العديم فيما وقفه ابن عمار صاحب طرابلس سنة 472هـ على دار العلم بطرابلس. وأثبتها ابن خير الإشبيلي في مروياته، وذكرها ياقوت فيما سلم إلى وقته من الضياع من آثار أبي العلاء، وعدها القفطي فيما رآه بعينه من كتب أبي العلاء التي سلمت من حملات الكفار، وعارضها الوزير الكلاعي في كتاب سماه: (الساجعة والغربيب) وذكرها الذهبي في التاريخ، والصفدي في الوافي، والمقري في نفح الطيب، ثم طويت في غيابة الزمن فلم نعد نسمع لها ذكراً منذ أواسط القرن 11 الهجري. ولا نعرف لها أثراً غير النسختين المحتفظ بهما في خزانة الرباط، كتبت الأولى منهما لخزانة أبي زكريا الحفصي سنة 638هـ، والثانية: حضرمية الأصل، كتبت سنة 697هـ ألف أبو العلاء رسالته هذه لعزيز الدولة أبي شجاع: عامل الفاطميين على حلب، بطلب من أبناء أخيه يلتمسون منه التوسط لدى عزيز الدولة في أن يضع عنهم ما فرضه الجباة، وذلك أثناء جفلة أهل حلب من طاغية الروم باسيل عام 411هـ، وفرغ منها سنة 412هـ كما أفادت د. عائشة عبد الرحمن. والصاهل والشاحج، أي: الفرس والبغل. وقد وضع أبو العلاء كتابه هذا على لسان فرس وبغل، وصور فيه جفلة أهل حلب من باسيل طاغية الروم، وضمنه عرضاً حافلاً ومثيراً لأحوال المجتمع وأوضاعه وطبقاته حين تسقط عنها أقنعتها من الخوف.

قصيدة 

 

أرى العَنْقاءَ تَكْبُرُ أن تُصادا

فعانِدْ مَنْ تُطيقُ لهُ عِنادا

وما نَهْنَهَتُ عن طَلَبٍ ولكِنْ

هيَ الأيّامُ لا تُعْطي قِيادا

فلا تَلُمِ السّوابِقَ والمَطايا

إذا غَرَضٌ من الأغراضِ حادا

لعَلّكَ أنْ تَشُنّ بها مَغاراً

فتُنْجِحَ أو تُجَشّمَها طِرادا

مُقارِعَةً أحِجّتَها العَوالي

مُجَنّبَةً نَواظِرَها الرّقادا

نَلومُ على تَبلّدِها قُلوباً

تُكابِدُ من مَعيشَتِها جِهادا

إذا ما النّارُ لم تُطْعَمْ ضِراماً

فأوْشِكْ أنْ تَمُرَّ بها رَمادا

فظُنّ بسائِرِ الإخْوانِ شَرّاً

ولا تأمَنْ على سِرٍّ فُؤادا

فلو خَبَرَتْهُمُ الجَوزاءُ خُبْري

لَما طَلَعَتْ مَخافَةَ أن تُكادا

تَجَنّبْتُ الأنامَ فلا أُواخي

وزِدْتُ عن العدُوّ فما أُعادى

ولمّا أنْ تَجَهّمَني مُرادي

جَرَيْتُ معَ الزّمانِ كما أرادا

وهَوَّنْتُ الخُطوبَ عليّ حتى

كأني صِرتُ أمْنحُها الوِدادا

أَأُنْكِرُها ومَنْبِتُها فؤادي

وكيفَ تُناكِرُ الأرضُ القَتادا

فأيّ النّاسِ أجْعَلُهُ صَديقا

وأيّ الأرضِ أسْلُكُهُ ارْتِيادا

ولو أنّ النّجومَ لديّ مالٌ

نَفَتْ كَفّايَ أكْثرَها انْتِقادا

كأني في لِسانِ الدهْرِ لَفْظٌ

تَضَمّنَ منه أغْراضاً بِعادا

يُكَرّرُني ليَفَهَمَني رِجالٌ

كما كَرّرْتَ مَعْنىً مُسْتَعادا

ولو أنّي حُبِيتُ الخُلْدَ فَرْداً

لمَا أحبَبْتُ بالخُلْدِ انفِرادا

فلا هَطَلَتْ عَلَيّ ولا بأرْضي

سَحائبُ ليسَ تنْتَظِمُ البِلادا

وكم مِن طالِبٍ أمَدي سيَلْقى

دُوَيْنَ مَكانيَ السبْعَ الشّدادا

يُؤجِّجُ في شُعاعِ الشمسِ ناراً

ويَقْدَحُ في تَلَهّبِها زِنادا

ويَطْعَنُ في عُلايَ وإنّ شِسْعي

لَيَأنَفُ أن يكونَ له نِجادا

ويُظْهِرُ لي مَوَدّتَهُ مَقالا

ويُبْغِضُني ضَميراً واعْتِقادا

فلا وأبيكَ ما أخْشَى انتِقاضاً

ولا وأبيكَ ما أرْجو ازْديادا

ليَ الشّرَفُ الّذي يَطَأُ الثُريّا

معَ الفَضْلِ الذي بَهَرَ العِبادا

وكم عَيْنٍ تُؤَمّلُ أن تَراني

وتَفْقِدُ عندَ رؤيَتِيَ السّوادا

ولو مَلأ السُّهى عَيْنَيْهِ مِنّي

أَبَرَّ على مَدَى زُحَلٍ وزادا

أفُلّ نَوائبَ الأيامِ وحْدي

إذا جَمَعَتْ كَتائِبَها احْتِشادا

وقدْ أَثْبَتُّ رِجْلي في رِكابٍ

جَعَلْتُ من الزَّماعِ له بَدَادا

إذا أوْطَأتُها قَدَمَيْ سُهَيْلٍ

فلا سُقِيَتْ خُناصِرَةُ العِهادا

كأنّ ظِماءَهُنّ بناتُ نَعْشٍ

يَرِدْنَ إذا وَرَدنا بِنا الثِّمادا

ستَعْجَبُ من تَغَشْمُرِها لَيالٍ

تُبارِينا كواكبُها سُهادا

كأنّ فِجاجَها فَقَدَتْ حَبيباً

فصَيّرَتِ الظّلامَ لها حِدادا

وقد كتَبَ الضّريبُ بها سُطوراً

فخِلْتَ الأرضَ لابِسَةً بِجادا

كأنّ الزِّبْرِقانَ بها أسيرٌ

تُجُنِّبَ لا يُفَكُّ ولا يُفادى

وبعضُ الظاعِنينَ كقَرْنِ شَمْسٍ

يَغيبُ فإنْ أضاء الفَجْرُ عادا

ولكِنّي الشّبابُ إذا تَوَلّى

فجَهْلٌ أنْ تَرومَ له ارْتِدادا

وأحْسَبُ أنّ قَلْبي لو عَصاني

فَعاوَدَ ما وَجَدْتُ له افْتِقادا

تذكَّرْتُ البِداوَةَ في أُناسٍ

تَخالُ رَبيعَهُمْ سَنَةً جَمادا

يَصيدونَ الفَوَارِسَ كلَّ يومٍ

كما تَتَصَيّدُ الأُسْدُ النِّقادا

طلَعْتُ عليهِمْ واليوْمُ طِفْلٌ

كأنّ على مَشارِقِهِ جِسادا

إذا نَزَلَ الضّيوفُ ولم يُريحُوا

كرامَ سَوامِهمْ عَقَروا الجِيادا

بُناةُ الشِّعْرِ ما أكْفَوْا رَوِيّاً

ولا عَرَفوا الإجازَةَ والسِّنادا

عَهِدْتُ لأحْسَنِ الحَيّيْنِ وَجْهاً

وأوْهَبِهِمْ طريفاً أو تِلادا

وأطْوَلِهِمْ إذا ركِبوا قَناةً

وأرْفَعِهِمْ إذا نزَلوا عِمادا

فتىً يَهَبُ اللُّجَيْنَ المَحضَ جوداً

ويَدَّخِرُ الحديدَ له عَتادا

ويَلْبَسُ من جُلودِ عِداهُ سِبْتاً

ويَرْفَعُ من رُؤوسِهِمُ النِّضَادا

أبَنَّ الغَزْوَ مُكْتَهِلاً وبَدْرا

وعُوّدَ أنْ يَسودَ ولا يُسادا

جَهولٌ بالمَناسِكِ ليس يَدري

أغَيّاً باتَ يَفْعَلُ أم رَشادا

طَموحُ السّيفِ لا يخْشَى إلهاً

ولا يَرجو القِيامَةَ والمَعادا

ويَغْبِقُ أهْلَهُ لبَنَ الصّفايا

ويَمْنَحُ قَوْتَ مُهْجَتِهِ الجَوادا

يَذودُ سَخاؤُهَ الأذْوادَ عنه

ويُحْسِنُ عن حرائِبِهِ الذِّيادا

يَرُدّ بتُرْسِهِ النّكْباءَ عنّي

ويجْعَلُ دِرْعَهُ تحْتي مِهادا

فبِتُّ وإنّما ألْقَى خَيَالاً

كمَنْ يَلْقَى الأسِنّةَ والصِّعادا

وأطْلَسَ مُخْلِقِ السِّرْبالِ يَبْغي

نَوافِلَنا صَلاحاً أو فَسادا

كأنّي إذْ نَبَذْتُ له عِصاماً

وَهَبْتُ له المَطِيّةَ والمَزَادا

وبَالي الجِسْمِ كالذّكَرِ اليَماني

أفُلّ به اليَمانِيَةَ الحِدادا

طَرَحْتُ له الوَضِينَ فخِلْتُ أني

طرَحْتُ له الحَشِيّةَ والوِسادا

وَلي نَفْسٌ تَحُلّ بيَ الرّوابي

وتأبَى أنْ تَحُلّ بيَ الوِهادا

تَمُدّ لتَقْبِضَ القَمَرَينِ كَفّا

وتَحْمِلُ كيْ تَبُذّ النجْمَ زادا

 

رحلة الى سيناء ….

الكاتب / رجب مختار رشاد

بقلم الروائي الوزير المفوض و المستشار الثقافي / د. شى يوه ون 

ترجمة ــ إيمان مجدى مراجعة ــ د. إسراء عبدالسيد]

 

قُبلة أبي 

قصة قصيرة 

 

فى هذا العالم الذى نحياه تتعدد أنواع القُبلات، لكن أحن قُبلة طُبِعت على وجنتى وتركت أثرًا لا أنساه هى قُبلة أبى العظيم الذى أوشك على إتمام الثمانين من عمره.

فى أغسطس من عام 2008، وبعد فترة وجيزة من عودتى إلى بكين عقبْ فترة من العمل خارج البلاد، جاء أبى إلى بكين بعد رحلة من مسقط رأسى فى شمال شرقى الصين، وكان كل ماينشدُ هو مساعدتى فى اصطحاب ابنى الذى كان سيلتحق بالمدرسة عودةً. واليوم ابنى فى السنة الرابعة من المرحلة الابتدائية، لكن لا يزال يحب أن يصطحبه جَدّه من المدرسة كل يوم بعد انتهاء اليوم الدراسى. وعلى هذا النحو، مضت معظم أيام الدراسة من السنة الأول حتى الرابعة من المرحلة الابتدائية، تصاحب الجد والحفيد معأ فى طريق العودة إلى المنزل من المدرسة، وتبادلا المَعِية والرعاية لبعضهما البعض. لا أملك الاستغناء عن مساعدة أبى، ولا الحفيد يستغنى عن رعاية جَدّه، ولا يتخلى الجَدّ عن راحة حفيده. وهكذا عاش ثلاثتنا فى الصين لمدة أربع سنوات الجَدّ، والابن، والحفيد وزوجتى أيضًا كأسرة من أربعة أفراد فى حياةٍ غمرتها السعادة.

لكن فى عالمنا هذا أنّى تجد بيتًا طاولة طعامه مكتملة الأفراد! فقد اضطرنى أمر النقل لعمل جديد لمغادرة بكين التى اعتدت الحياة فيها قبل عيد الربيع، وسافرت عبرالمحيطات، وقطعت الأميال إلى شمال إفريقيا لبدء جولة جديدة من الحياة فى الخارج لمدة أربع سنوات. وقبل أن أرحل ردد أبى لى قائلاً: «ألا تحيا حياةً كريمةً هُنا، ماجدوى السفر إلى الخارج؟».

أنا رجل سافر إلى جميع أنحاء العالم، وأعمل على هذا المنوال منذ أكثر من عشرين عامًا. أقضى معظم وقتى فى الخارج، وغالبًا ما أسافر للخارج فى مَهمْات أثناء فترة عملى فى الصين، وفى كل مرة يقول لى أبي: «ستذهب مرة أخرى!»، ولطالما كنت معتاداً على هذه الكلمات، فقد سمعتها مراراً وأنبرى وكأننى لم أسمعها، لم تعد تعترينى أى ردود أفعال على هذا الأمر تقريبًا، فكنت أرد قائلاً: «نعم». وأتذكر أن أبى فى كل مرة كنت أسافر فيها فى رحلة عمل إلى الخارج كان يصافحنى أيضًا عند باب المنزل، ويوصينى أن انتبه لسلامتى وصحتى، وكنت دائمًا أهمهم بردود معتادٌ عليها.

لكن اختلف الأمر هذا العام، لأننى كنت على سفربعيد، فقال أبى إنه سينزل إلى الدور الأسفل فى المنزل ويودعنى، كان ذلك قبل مغادرتى بأيام.

وشغلتنى الحياة يوماً بعد يوم، وجاءت لحظة الوداع، وفى العاشرة صباحًا من يوم سفرى جاءت السيارة التى ستقلنى إلى المطار أمام المنزل، صافحت أبى بسرعة، وبعد لحظات الوداع استدرت وفتحت باب الغرفة وخرجت ساحبًا حقيبتى. وارتدى أبى معطفه لاحقاً بى إلى الدور الأسفل للمنزل، ولكن فى هذه اللحظة انتابنى شعورغريب، فجأةً لا أود أن يوصلنى أبى إلى الدور الأسفل للمنزل لأننى كُنت قلقًا عليه، فهو مصاب بمرض ضغط الدم العالى، وهو رجل رقيق القلب عواطفه جياشة، يمكن أن ينفعل فى لحظة الوداع وتحدث له عواقب صحية لا يحمد عقباها. لذلك لم أكد أن أخرج من الغرفة حتى استدرت بسرعة وعدت مرة أخرى.

ويا لحسن الحظ! عندما رجعت ارتطمت بأبى، وبالصدفة التقتى جسدانا وتعانقنا سريعا عناقاً يفيض حباً وتأثراً، وألصقنا خدينا ببعضهما على غرار طريقة العرب فى التحية مثلما تحدثنا عنها من قبل، التصق الخد الأيمن لكل منا، ثم الخد الأيسر، ثم الخد الأيمن مرة أخرى. لكن فى اللحظة الأخيرة عند ملامسة خدينا لآخر مرة طبع أبى على وجهى قبلةً،ذُهلت من هول المفاجأةً، فهذه هى أول مرة يُقبلنى أبى أنا الذى أناهز الخمسين من عمرى، كيف لى ألا أتفاجأ مما فعل أبي؟ قبلة الوداع الحنونة هذه أشعرتنى بمحبة أبى ورغبته فى بقائى، وحينها لمحت دموع أبى التى حجبت الرؤية عن عينيه، وسمعت صوته المرتجف، وأحسست بأطراف يده التى تمسك بى ولا تريد مغادرتى.

أنا رجلٌ لا أحب البكاء، لكننى أيضًا رجلٌ مرهفُ الحِسِ، وفى هذه اللحظة تعاملت مع هذه السلوك الإنسانى العظيم لأبى، هذا الشعورالفطرى العميق بين الأب وابنه أزهر فى قلبى كل المودة والحب، ودار فى خُلدى أننى سأقطع بالطائرة عشرات الآلاف من الكيلو مترات للعمل، ولن أعود فى إجازتى السنوية إلا بعد عام على الأقل، وبعد رحيلى ستلحق بى زوجتى وابنى، بينما أبى الذى أوشك على بلوغ التاسعة والسبعين من عمره، وتتدهور صحته مع مرور الأيام، سيعود إلى مسقط رأسه فى شمال شرقى الصين ويعيش وحيدًا.

وعاودت التفكير ثانيةً، ولا أعرف بعد لحظة الوداع هذه، فقد خالجنى شعور ضاق به صدرى،تُرى هل سأتمكن من العيش مع أبى مجدداً بعد انتهاء فترة عملى التى ستدوم أربع سنوات وعودتى إلى الصين مرة أخري؟. ونال منى التفكير، لماذا لا أخاف؟. كيف لا أشتاق؟. لما لا أحزن وأتألم؟ فجأة شعرت بوخزة فى عيناى، واغرورقت بالدموع، ولكن أنا رجلٌ أولًا وأخيرًا، ولا أريد أن يرى أبى دموعى أو ضعفى الإنسانى، لذلك استدرت دون حديث، ورجوت أبى بالعودة إلى الغرفة، وسمحت لزوجتى فقط أن تُوصلنى للدور الأسفل للمنزل. وقد نفعت هذه الحيلة الجيدة حقًا، وغير أبى أيضًا نيته وما كان عازماً عليه وقال: لن أنزل! ثم تمنى لى رحلةً آمنةً.

و لم أستوضح لماذا لم يُصِّر أبى على توديعى للدور الأسفل للمنزل كما كانت نيته؟ لكن على الأقل فقد رحمنى من رؤية حزنه، وأوفر عليّ بضع دقائق من قلقه.

أتمنى لك رحلة آمنة، هذه جُملة قديمة يودعنى بها أبى دائمًا، رنَّت فى أذنى عدة مرات، ربما لاجديد فيها، لكن القُبلة الحنونة التى طبعها والدى على خدى قبل الخروج هذه المرة جعلتنى أتأملها وأستعيدها فى ذاكرتى طوال الرحلة حتى حطت الطائرة رحالها فى باريس.

ما زال خدى يشعر بقبلة أبى، ولا تزال دموع أبى الجياشة الحنونة تظهر فى عينى من حين لآخر. لا أدرى كيف سيكون الحال عند عودتى إلى الصين لقضاء إجازتى السنوية وأرى أبى مرة أخرى. يا للأسف! تلك هى الحياة.

ثمانية تجرى على المرء دوماً، ولابد أن يلقى يوماً الثمانية: سرور وحزن واجتماع وغربة وعسر ويسر ثم سُقم وعافية، وحياة الناس بها أفراح وأطراح، من الصعب أن تحصل على كل شيء. لكن أتمنى بعد مغادرة أبى مدينة بكين الصاخبة أن ينشرح صدره بالاستمتاع بالهواء النقى فى مسقط رأسه، وأن ينعمَ براحةِ البالِ، والعمر المديد والصحة والعافية.

الأكثر مشاهدة

  • بالترتيب
  • بالعنوان
  • الأكثر شهرة

البرلمان العربي والمجلس ...

إيماناً بأهمية تشجيع كافة الجهود ...

الوكالة الدولية للطاقة ...

أصدرت فرقة العمل التابعة للوكالة ...

فى أولى وجهاتها في العام ...

بورسعيد – مصر – 10 يناير 2023 ...

بعد أغنيتها .. حساب ...

العالم – 14 يناير 2023 بعد إطلاق ...

"مصر.. جائزة أفضل ...

القاهرة – 21 يناير 2023 بعد تحقيق ...

الصينيون يحتفلون بالعام ...

كتب | هيو جيرئيس أخبار الصين- ...

صمت مهيب يرافق ...

  في رحلة تستمر 6 ساعات الأحد عبر ...

مصر تطور الوادي ...

  "في محيط جبلي موسى وسانت كاترين ...

"حليف مقرب من ...

  بينما تنفي رسميا أي نية للغزو، ...

"فيسبوك" يغير اسم ...

 تقرر تغيير اسم عملة "ليبرا" ...

"فيفا" يرشح 11 ...

 تقدم روبرت ليفاندوفسكي، الفائز ...

أردوغان: بإمكان ...

 قال الرئيس التركي رجب طيب ...

تظهر نتائجه بأقل ...

 قال باحثون، الخميس، إن علماء من ...

الدولة السلجوقية ..

 الدولة السلجوقيَّة أو دولة بني ...

أخصائي يعلق على مرض ...

 أعلن الدكتور سيرغي فوزنيسينكي، ...

ماكرون يتحدث مع السيسي ...

قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ...

كاسل جورنال تعلن عن ...

ترحب مجموعة  كاسل جورنال ...

سابالينكا تتوج بلقب ...

أحرزت البيلاروس آرينا سابالينكا ...

Who's Online

229 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

الدائرة الأخيرة

الخندق الأسود
بقلم رئيس التحرير الروائية ...
لماذا علينا أن نعود لوصايا الإسلام
بقلم الروائية الاستاذة ...
لا تنسوا الماضي لأنه سيعود
الجزء الأول بقلم الدكتورة ...
القادم الذي علينا الإستعداد له
بقلم الروائية ا.د. / عبير ...
لو أيقظنا ضمير نحن الجمع
بقلم رئيس التحرير الدكتورة / ...
كلنا إنسان .. رسالتي للنظام العالمي
بقلم رئيس التحرير الدكتورة / ...
هذه عقيدة وطن .. الجيش للشعب
  بقلم  رئيس التحرير ؛ ...
العالم يحترق سياسيا وإقتصاديا
بقلم : ا.د. عبير المعداوي ...
نظرة مستقرة و بشائر خير
  بقلم ... دكتورة عبير ...
ضحية من ؟
بقلم الروائية الدكتورة عبير ...
في القرن الماضي عصر النهضة المصرية
بقلم رئيس التحرير الدكتورة / ...
هذه هي جمهورية مصر الجديدة لمن لا
بقلم الروائية الدكتورة عبير ...

فيديو كاسل جورنال

الدائرة الأخيرة  

الدائرة الأخيرة مع الدكتور عاصم الليثى

 الدائرة الأخيرة مع اللواء نبيل أبو النجا

 كلمة د/عبير المعداوى فى عيد الشرطة

عنوان الجريدة

  • 104-ش6-المجاورة الأولى-الحى الخامس-6أكتوبر
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
  • 01004734646

إصدارات مجموعة كاسل

وحدة تحكم تشخيص الأخطاء لجوملا

الدورة

معلومات الملف الشخصي

الذاكرة المستخدمة

استعلامات قاعدة البيانات