كاسل جورنال

كاسل جورنال

 

كتبت نديمة حديد

يسعى برشلونة حامل لقب الدوري الإسباني في كرة القدم حسم صفقة التعاقد مع المهاجم الدنماركي الدولي مارتن برايثوايت من نادي ليغانيس بأي وسيلة، بحسب ما ذكرت تقارير إعلامية الأربعاء.

وأشارت شبكة "إي إس بي إن" الأميركية إلى أن النادي الكاتالوني حصل على إذن خاص لضم برايثوايت (28 عاما) خارج فترة التعاقدات الرسمية، وسيدفع البند الجزائي في عقده والبالغ 18 مليون يورو.

ولم يبد ليغانيس رغبته بالتفاوض مع برشلونة، وذلك بعد تخليه عن مهاجمه الآخر المغربي يوسف النصيري إلى إشبيلية مطلع الموسم.

وأضافت الشبكة أن اللاعب سيكون بمقدوره المشاركة مع برشلونة في مباراة إيبار السبت المقبل في الدوري الإسباني، حيث يتخلف بفارق نقطة عن غريمه ريال مدريد. فيما أشارت صحيفة "سبورت" الإسبانية إلى أن برايثوايت تدرب الأربعاء مع ليغانيس في ظل محاولات برشلونة لضمه.

وأردفت أن برشلونة حصل على إذن خاص بعد إصابة طويلة حتى نهاية الموسم لمهاجمه الفرنسي عثمان ديمبيلي، كما افتقد في الآونة الأخيرة هدافه الأوروغوياني لويس سواريز.

ويضم هجوم برشلونة أفضل لاعب في العالم ست مرات الأرجنتيني ليونيل ميسي، الفرنسي أنطوان غريزمان واليافع إنسو فاتي من غينيا بيساو.

وتشير قوانين الليغا إلى السماح للنادي بتبديل لاعبه المصاب إذا كانت فترة إصابته تتخطى خمسة أشهر، بلاعب آخر من الدوري الإسباني أو من دون عقد احترافي.

وانضم برايثوايت إلى ليغانيس في 2019 معارا من ميدلزبره الإنجليزي قبل الانتقال بشكل دائم بقيمة 5 ملايين يورو، وسجل له هذا الموسم 6 أهداف في الدوري. سجل 13 هدفا في 41 مباراة مع فريقه الحالي، وحمل ألوان الدنمارك في 39 مباراة دولية سجل فيها 7 أهداف.

المصدر وكالات

 

كتبت نديمة حديد

رصد موقع "فلايت رادار 24"، المتخصص في تتبع حركة الطيران المدنية في العالم، الأربعاء، الرحلة الأولى التي أقلعت من العاصمة السورية دمشق، إلى مدينة حلب شمالي البلاد للمرة الأولى منذ سنوات.

ونشر الموقع مسار الطائرة السورية وتفاصيل عنها، كما غرّد عن الرحلة على حسابه الرسمي بموقع "تويتر".

وبحسب "فلايت رادار 24"، فإن الطائرة من طراز "إيرباص إيه 320"، وتعمل في الأجواء منذ عام 1999.

ولم تستغرق الرحلة سوى نصف ساعة تقريبا، قطعت فيها الطائرة المسافة البالغة نحو 350 كلم

ونشرت وكالة وكالة الأنباء السورية الرسمية "سانا" صورا تظهر لحظة هبوط الطائرة في مطار حلب، كما نشرت صورا للركاب.

وكانت "سانا" قالت في وقت سابق الأربعاء، أن أول طائرة ركاب أقلعت من مطار دمشق الدولي في اتجاه مدينة حلب وذلك للمرة الأولى منذ 8 سنوات.

ونقلت الوكالة عن مدير مطار حلب، محمد المصري، قوله إنه تم إجراء الصيانة اللازمة لمفاصل العمل في المطار وتجهيزاته الفنية وتأهيل مدرجاته وأصبح جاهزاً لاستقبال الطائرات والمسافرين.

وكان مطار حلب قد توقف عن الخدمة لمدة 8 أعوام بسبب الحرب التي تشهدها سوريا والتي أدت إلى تضرر الكثير من البنية التحتية في البلاد.

لكنه عاد إلى الخدمة بعدما تكمن الجيش السوري من استعادته لكامل محافظة حلب قبل أيام.

المصدر سكاي نيوز

 

كتبت نديمة حديد

طرح رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح، الأربعاء، رؤية مكونة من 12 نقطة للتوصل إلى حل للأزمة الليبية، من وجهة نظره، تعتمد بشكل أساسي على تفكيك الجماعات الإرهابية والميليشيات.

وتشمل الخطة التي طرحها رئيس مجلس النواب:

1- تفكيك الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة والعصابات المسيطرة على العاصمة، وأن تكون للقيادة العامة صلاحية الضم والدمج وجمع السلاح.

2- القوات المسلحة الليبية هي وحدها الموكل إليها تطهير البلاد من الجماعات الإرهابية والميليشيات والعصابات المسلحة، وحماية الحدود والأهداف الحيوية وضبط الأمن والنظام.

3- مجلس النواب هو الجسم التشريعي الوحيد المنتخب في ليبيا، ولا يجوز إقحام أجسام أخرى قبل الانتخابات البرلمانية، بهدف الترضية على حساب جسم حقيقي يمثل إرادة الليبيين.

4- تشكيل مجلس رئاسي من رئيس ونائبين، ممثلا عن الأقاليم الثلاثة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية برئيس حكومة ونائبين، ممثلة في الأقاليم الثلاثة، ويشترط المصادقة عليها من مجلس النواب الليبي.

5- وضع ضمانات قانونية لتوزيع عادل للثروة بين الأقاليم الثلاثة، تُضمن في الاتفاق السياسي.

6- تشكيل هيئة مؤقتة تابعة لمجلس النواب، مختصة بالمصالحة الوطنية من رئيس ونائبين، ممثلة من الأقاليم الثلاثة.

7- تعديل الإعلان الدستوري بحيث يشكل مجلس النواب لجنة لصياغة دستور للبلاد، تضم مثقفين ومفكرين وأساتذة في القانون الدستوري من الأقاليم الثلاثة، بعيدا عن المحاصصة الحزبية والاجتماعية، يشارك فيها الأجانب والعرب من أهل الاختصاص، والمطالبة بإنجاز عملها خلال فترة زمنية لا تزيد عن 90 يوما من بدء عملها.

8- تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية خلال مدة محددة من تاريخ منح حكومة الوحدة الوطنية الثقة من مجلس النواب.

9- يقبل الإشراف الدولي على تنفيذ ما ذكر آنفا، بما لا يتعارض مع ما يتفق عليه.

10- يقوم مجلس النواب بدوره كاملا في اختيار ممثليه، وتبلغ بعثة الأمم المتحدة بذلك، على أن لا تحال قائمة بأسماء الممثلين إلى البعثة طبقا لما اتفق عليه في اجتماع المجلس بمدينة بنغازي، إلا بعد استلام رد البعثة على قرار مجلس النواب المتخذ في مدينة بنغازي.

11- ممثلو مجلس النواب الذين يقع اختيارهم ملزمون بالرد على المجلس قبل توقيع أي اتفاق، على أن يتحمل المخالف تبعات التوقيع دون أخذ رأي مجلس النواب.

12- التنبيه إلى أن أي اتصال للبعثة بشكل مباشر بالنواب أو الاتصال بالنواب المقاطعين، باعتبارهم مجلس نواب موازي يعيق مجلس النواب الشرعي في عملية اختيار ممثليه، ويتسبب في خلط الأوراق وليس في مصلحة الحوار.

المصدر سكاي نيوز

 

كتب /أيمن بحر

التقى وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو اليوم بالمشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني الليبي لبحث الوضع الراهن في ليبيا.

وذكرت وزارة الدفاع الروسية أن الجانبين شددا على أهمية المباحثات التي جرت في يناير في موسكو لإرساء نظام وقف إطلاق النار وإطلاق عملية تطبيع الوضع في البلاد

كما أكد الطرفان على ضرورة تنفيذ قرارات مؤتمر برلين، وعلى عدم وجود بديل للطرق السياسية من أجل تسوية الأزمة الليبية والحفاظ على استقلال ووحدة وسيادة ليبيا.ودائما ما يؤكد حتفر على تمسك الجيش الوطني بالثوابت الوطنية التي تنص على تأمين التراب الليبي وإنهاء سيطرة الإرهابيين وإخراج المرتزقة الذين جلبهم الغزو التركي وكانت الأمم المتحدة أعلنت أن طرفي النزاع في ليبيا استأنف محادثات عسكرية بوساطة أممية بهدف إنقاذ الهدنة الهشة في الدولة الواقعة في شمال أفريقيا.وستركز المحادثات على وقف الانتهاكات المتكررة للهدنة وكذلك مساعدة المدنيين النازحين بسبب القتال على العودة إلى العاصمة والمنطقة المحيطة بها

وتوسطت روسيا وتركيا في وقف إطلاق النار الحالي في يناير الماضي لكنه لم يصمد كثيرا

واتفق وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الاثنين على إطلاق جهد بحري جديد يركز على فرض حظر الأسلحة المفروض من الأمم المتحدة.

د. عبد الرحمن حجازي

     من المعروف أن جمهورية كازاخستان الآن والدول التي أعلنت استقلالها عن الاتحاد السوفيتي السابق منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي تمر بمرحلة البناء الجديد وتكوين العلاقات الخارجية القوية مع دول العالم؛ حيث تضم المنطقة عدة دول أكبرها كَازَاخِسْتَان، كما تضم المنطقة أيضًا جمهوريات قِرْغِيزِسْتَان وتَاجِيكِسْتَان وأُوزْبَكِسْتَان وتُرْكِمَانِسْتَان وآذَرْبَيْجَان...وغيرها. وكل هذه الدول تشترك في جوانب تاريخية واحدة، وفي استقلالها الحديث، ولكن ثمة فروقًا في داخل هذه البلاد من حيث الثروة ونظم الدولة.

     لقد ارتبطت بدايات التحول في كازاخستان بالفتح الإسلامي لخراسان في ولاية قتيبة بن مسلم (76هــ/ 705م– 98هــ/715م)، وهذا التحول حدث على مدى أكثر من مئتي سنة، وعرفت هذه المناطق في الكتابات العربية باسم ما وراء النهر. كانت هذه القبائل التركية بدوية، وكان المسلمون من العرب والفرس قد دخلوا بشكل متزايد في مرحلة ما بعد البداوة، جاء كثير من الإيرانيين مع العرب، واستوطنوا منطقة تركستان، وبدأ هناك نشر اللغة العربية مع انتشار الإسلام. أخذ العرب والإيرانيون المسلمون يتعاملون بالعربية شيئًا فشيئًا في المجالات الدينية والعلمية والثقافية الإسلامية.

     بدأت مرحلة جديدة من العلاقات بدخول عدد كبير من قبائل آسيا الوسطى في الإسلام على أيدي السامانيين الفرس في النصف الأول من القرن الثالث الهجري. أسلمت جماعات كبيرة من الترك، وبدأ دخولهم إلى كيان الدولة الإسلامية، ليكونوا جنودًا بالدولة الإسلامية. وبذلك وصلوا إلى حاضرة الخلافة العباسية في بغداد، كما بدأ ظهورهم في مصر، وتولى أحمد بن طولون حكم مصر وهو من هؤلاء الترك، وكلمة ترك لم تكن لها صلة آنذاك بالمنطقة الغربية حيث الدولة البيزنطية في آسيا الصغرى. ولكن التسمية بكلمة تركي كانت تدل في ذلك الوقت على الانتماء إلى كازاخستان. حكم الطولونيون مصر، وضمت حدود سلطتهم بلاد الشام وليبيا وبلاد النوبة. كوَّن ابن طولون جيشًا عماده الجنود الترك، وأنشأ دارًا لصناعة الأسلحة في الروضة، واهتم بالزراعة والصناعة، وكانت الحرية الدينية مكفولة للمسلمين ولأهل الكتاب، فاحتفل المصريون بعيد وفاء النيل، كما وجه ابن طولون اهتمامًا خاصًّا للفروسية، وأنشأ بيمارستانًا (مستشفى) للعلاج. وهناك آثار باقية من حكم ابن طولون، منها جامع أحمد بن طولون في مدينة القطائع التي أنشأها.

     وفي القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي زاد عدد المسلمين في آسيا الوسطى كلها، في الغرب أسلم بلغار الفولجا، وفي الوسط والشرق أسلم سكان مئتي ألف خيمة، وقامت أول مملكة تركية إسلامية وهم القَرَاخَانِيُّون، وظهرت أهمية مدينة بَلاسَاغُون بوصفها مدينة إسلامية. وفي هذا السياق كانت العربية لغة الدين والعلم، إلى جانب استمرار اللغات المحلية، إلى أن سادت الكتابة العربية في كثير من هذه الدول.

    بدأت في هذا الإطار حركة علمية جديدة، من سماتها الأساسية ذلك الاهتمام الكبير بعلوم الدين وبعلوم اللغة وبالفلسفة والطب. كان أكثر الراغبين في العلم ينتقلون إلى البلاد العربية ويتقنونها ويؤلفون بها، وبعضهم عاد إلى موطنه. وهنا نجد أسماء عدد كبير من العلماء ينتمون إلى المنطقة الجنوبية من آسيا الوسطى التي تقع فيها اليوم جمهورية أوزبكستان، منهم البخاري وابن سينا والترمذي وبعضهم من المنطقة الوسطى التي تقع فيها اليوم جمهورية كازاخستان، ومنهم الفارابي اللغوي والفارابي الفيلسوف والجوهري مؤلف معجم الصحاح في القرن الرابع الهجري= العاشر الميلادي، ومنهم من ينتمون إلى منطقة في أقصى المشرق الإسلامي وتقع حاليًّا في داخل الصين، ومنهم محمود الكَاشْغَرِي المنسوب إلى مدينة كاشغر في القرن الخامس الهجري وهو رائد البحث العلمي في اللغات التركية.

     لكل هؤلاء العلماء صلة وثيقة بالأقاليم العربية. الفارابي الفيلسوف عاش أيضًا في سوريا ومصر، ومات ودفن في سوريا. واهتمام المصريين بمعجم الصِّحَاح للجَوْهَرِي أدى إلى تسليم التلاميذ المصريين في الربع الثاني من القرن العشرين مختار الصحاح للرازي في طبعة محمود خاطر. والكاشغري ألَّف ديوان لغات الترك وأكمله في بغداد.

     ويتضح جانب من العلاقات الثقافية مع آسيا الوسطى من اهتمام الجغرافيين والمؤرخين ومؤلفي كتب الطبقات بهذه المنطقة مدنها وحوادثها ونظمها الحاكمة وأعلامها العلماء على نحو جعل المصادر العربية تعد من أهم مصادر دراسة المنطقة. كتب عن آسيا الوسطى ابن خُرْدَاذَبه في كتابه (المسالك والممالك)، وكتب عنها أحمد بن الواضح اليعقوبي في كتاب (البلدان)، وابن الفقيه الهمداني في (أخبار البلدان)، وابن حوقل في (المسالك والممالك)، والمقدسي في (أحسن التقاسيم).

     أما المؤرخون فقد كتبوا عن آسيا الوسطى، منهم البَلاذُري في (فتوح البلدان) والطبري في (تاريخ الأمم والملوك). ولابد أن نذكر على وجه الخصوص اهتمام ياقوت الحموي بهذه المنطقة في عملين مرجعيين كبيرين، هما(معجم البلدان) و(إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب). المداخل الجغرافية عن منطقة تركستان كثيرة في معجم البلدان، ومداخل الأعلام عن علماء آسيا الوسطى متعددة في (إرشاد الأريب). وقد استمر هذا الاهتمام في كتب التراجم، مثل(وفيات الأعيان)لابن خَلِّكَان. وفوق هذا كله، فإن الصفحات الكثيرة التي سجل فيها ابن بَطُّوطَة نتائج رحلته وإقامته في آسيا الوسطى تعد من أهم المصادر العربية لدراسة هذه المنطقة.

     دخلت العلاقات مع آسيا الوسطى مرحلة جديدة في عصر سلاطين المماليك الذين حكموا مصر والشام في مرحلة دقيقة من تاريخ العرب والمسلمين. أكثر هؤلاء السلاطين من آسيا الوسطى، أسماؤهم تكشف ذلك الانتماء، أشهرهم الظاهر بيبرس الذي حافظ في القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي على العلاقات المتجددة مع الأسر الحاكمة في آسيا الوسطى من القِبْجَاق. وكانت زوجة الظاهر بيبرس هي ابنة بركة خان سلطان القِبْجاق. وقصة العلاقات والمصاهرات تمثل الجانب الشخصي الكامن وراء تحالف بعيد المدى بين مصر المملوكية ودولة القِبْجَاق ضد دولة المغول بزعامة هولاكو، قضى جيش المغول على الخلافة العباسية في بغداد 1258م، ثم هزم بركه خان جيش المغول سنة 1262م، ولكنهم واصلوا تقدمهم في الأقطار العربية. وقبل سلطان مصر قُطُز التصدي بجيش مصر للخطر المغولي، وكان النصر بقيادة الظاهر بيبرس، تلك الشخصية النادرة التي يحبها المصريون ويفخر بها أبناء كازاخستان حتى اليوم. لقد حقق الظاهر بيبرس لمصر نصرًا كبيرًا بهزيمته لجيش المغول في موقعة عين جالوت. وبعد عودته إلى القاهرة جعلها مقر الخلافة الإسلامية بأن نقلها إليها بشكل رسمي، ولكنه اكتفى لنفسه بلقب سلطان، جاعلاً الرئاسة الدينية العامة للخليفة حتى يكون حكم المماليك حكمًا شرعيًّا زمنيًّا تدعمه من الناحية الدينية الخلافة الإسلامية، وأكسبه هذا الموقف احترامًا كبيرًا لدى جمهور المسلمين.

وفي العصر الحديث تتنوع العلاقات مع كازاخستان فيما يُسمى بـ"التعاون الدولي" الذي يعنى أن هناك دولتين تريدان التعاون معًا ومد جسور التواصل بينهما في مجال محدد أو في كل المجالات؛ فهناك تعاون ثقافي بين الدول، وهناك اتفاقيات اقتصادية حول الإنتاج والاستثمار والنقل والجمارك والتوزيع ...إلخ. وهذه اتفاقيات في مجالات التعليم قبل الجامعى والتعليم العالى والبحث العلمى، وتبادل الطلاب بين الدولتين، وتبادل طلاب الدراسات العليا. كما أن الاتفاقيات بينهما لها شأن عظيم وأنواعها كثيرة، منها اتفاقيات سياحية، واتفاقيات جمركية، واتفاقيات ثقافية، واتفاقيات عسكرية، واتفاقيات أمنية، ...إلخ.

 وتُعد دول آسيا الوسطى أعضاء متميزين ونشطين في المجتمع الدولي، وتعمل هذه الدول مجتمعة بشكل فعال في الهيئات والمنظمات الأوروبية والآسيوية والعربية، كما انضمت بعد استقلالها مباشرة إلى منظمة المؤتمر الإسلامي. ولها علاقات متنامية مع العديد من المؤسسات الدولية مثل البنك العالمي، والبنك الأوروبي للتنمية والإصلاح، وصندوق النقد الدولي، ووكالة الطاقة الذرية العالمية، ومنظمة اليونسكو واليونيسيف، ومنظمة الصحة العالمية.

وعلى سبيل المثال يأتي الهدف من تعليم اللغة العربية في جمهورية كازاخستان هو إعداد متخصصين في اللغة العربية والثقافة الإسلامية ودراسات العالم العربي والحضارة والتاريخ وعلم البلدان والترجمة والدراسات المقارنة وكل ما يخدم تنمية العلاقات العربية مع آسيا الوسطى. وتنظم السفارات المصرية والعربية والمراكز الثقافية والجامعات هناك دروسًا ودورات تدريبية في هذه المجالات، وتقوم بتنفيذ مشروعات علمية فيها، وقد بدأت مشروعات الترجمة وإعداد المعاجم وتدريب المتخصصين في الدراسات العربية بشكل كبير.

فالحق يقال إن اللغة العربية لها وجودها في كازاخستان، في التعليم العام والتعليم العالي، وفي المراكز الثقافية المصرية. اللغة العربية في هذه المنطقة مادة جديدة في التعليم الحكومي، وتدرس كمادة اختيارية في عدة مدارس، كان هناك تَعَلُّم محدود لها في إطار حفظ آيات من القرآن الكريم لأداء الشعائر الدينية في خارج نظام التعليم الرسمي. اللغة العربية حاليًّا مادة دراسية يجوز للتلاميذ اختيارها في المدارس الحكومية. وهناك كتب مدرسية صغيرة لتعليمها، منها سلسلة في عدة أجزاء صغيرة. ويغلب عليها قطع القراءة مع بعض قواعد النحو النظري، وأثرها محدود في تكوين مهارات لغوية. والمدرسون كلهم من أبناء البلاد، وأكثرهم لم يزر الدول العربية، ولم يدرس في جامعات عربية. ويوجد تخصص اللغة العربية في التعليم العام على مستويين، هما مستوى المعاهد العالية ومستوى الجامعات. هناك معاهد عالية تخضع لقانون التعليم العالي، الدراسة فيها لمدة ثلاث سنوات، ويجوز بعدها استكمال الدراسة بالجامعة في التخصص نفسه، ولمدة سنوات أكثر في حالة تعديل التخصص. أما على مستوى الجامعات فيوجد تخصص اللغة العربية في جامعة مختلفة، وتضم كلية كاملة لتخصصات الاستشراق، وبها تخصصات لكل اللغات الكبرى في آسيا من التركية والفارسية والأردية إلى الصينية واليابانية. وللطالب في مرحلة متقدمة من الدراسات العربية أن يختار تخصصًا واحدًا من ثلاثة تخصصات دقيقة: اللغة العربية وآدابها، اللغة العربية والتاريخ، اللغة العربية والترجمة. وتخصص اللغة العربية والتاريخ يهتم أيضًا بالعالم العربي المعاصر وبالعلاقات الدولية. وهناك مقررات في اللغة العربية لمستويات تعليم اللغة للكبار تقدمها المراكز الثقافية لجمهورية مصر العربية، ولها صلة بالجامعات والمكتبات الأكاديمية.

ومن صور التعاون الثقافي بين العالم العربي وكازاخستان يتجلى فيما يلي:

  • الثقافة والفنون في هذا البلد الجميل لهما طابع خاص. نلاحظ التقدم الواضح في الفنون الموسيقية ومنها الأوبرا، وهذه الفنون لها مكانتها في نسيج الحياة . وهناك قمم عالية في الغناء الأوبرالي ، وآن الأوان أن يبدأ تعاون قوي في هذا المجال، وفي الموسيقا وإعداد الموسيقيين، وتبادل الفرق على نحو يقرّب بين الشعوب. أما المعارض بكل أنواعها فتعد مجالاً للتعاون: معارض الخط العربي، معارض الرسم، معارض عن تاريخ الحضارة، معارض الكتب العربية إلخ. وفوق هذا كله، فإن السينما العربية غير معروفة هنا. إن عرض بعض الأفلام الروائية والتسجيلية في دور العرض أو في المؤسسات الثقافية والتعليمية مصحوبة بالترجمة سيكون إضافة مهمة في سبيل مزيد من المعرفة والصداقة بيننا وبين هذه الشعوب.
  • الثقافة والسياحة بينهما علاقة قوية، وقلة المعرفة بمصر على سبيل المثال تعوق الحركة السياحية إليها. وقد نجد من يسأل عن تاريخ مصر أو آثارها أو واقعها وهو خالي الذهن عنها ومتردد في اتخاذ قرار السفر إليها. وكل من تابع البرامج القليلة عن الآثار الفرعونية نجده يخطط عند توافر الإمكانات لزيارة مصر. ولا شك أن وجود المعارض والأفلام السينمائية والمواد الإعلامية المتجددة سيقضي على الحواجز النفسية ويمهد لتدفق سياحي حقيقي.
  • التعاون في مجالات الحياة يرتبط بالعمل الثقافي. والأمل كبير في تدفق المنتوجات عن طريق مد خطوط الطيران المصري، وأن يكون عمل المشروعات الكبرى السياحية والثقافية والصناعية والعلمية والزراعية...وغيرها مجالاً لمزيد من التعاون، وهذا كله من ملامح عصر جديد استقلت فيه كازاخستان وبدأت في العالم كله بدرجات متفاوتة نحو اتجاهات العولمة. دول هذه المنطقة تطمح بقوة إلى تعاون من أجل المستقبل، والعلاقات الثقافية مع الدول العربية- خصوصًا مصر- جزء من هذا الطموح.
  • إن تعليم اللغة العربية في التعليم الجامعي وقبل الجامعي بهذه البلاد يعد من أهم مجالات التعاون العربي في المستقبل؛ حيث إن اللغة الروسية لها المكانة الأولى في المدارس، والمجال بعد ذلك مفتوح للغات أخرى منها اللغة العربية. وهذا التعاون من شأنه تدريب الطلاب والمدرسين في المهارات اللغوية العربية وفي طرق تعليم العربية، وهناك مجال كبير لاستخدام التقنيات المتقدمة. ويتطلب النهوض بتعليم العربية إعداد منظومات متكاملة من المواد التعليمية المتدرجة والمتكاملة: كتاب التلميذ، كتاب المعلم، التسجيلات الصوتية، المعجم، التقنيات المتقدمة وغير ذلك. وهذه مجالات تتطلب في إطار التعاون برامج لتدريب المؤلفين والمعدين والمدرسين. وهنا مجال للتعاون الثنائي، وكذلك للعمل من خلال المنظمات الدولية؛ وذلك لأن الطلاب الذين يدرسون هناك يعشقون اللغة العربية ويُقبلون على تعلمها بشغف كبير، وقد شاهدت بنفسي كيف هم يقبلون على تعلمها حتى صارت اللغة العربية خير سفير لنا ونموذجًا طيبًا ومثالاً رائعًا للعلاقات الثقافية والعلمية في مجال تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها.
  • أن يتم التخطيط للنهوض بالدراسات العربية بصفة عامة، وفي المقدمة تنمية المعرفة باللغة العربية في مجالات الأدب والثقافة والإعلام والتراث الثقافي المشترك والدراسات المعاصرة والترجمة. ومن المفيد من الجانب الآخر تكوين جيل من المتخصصين العرب في الدراسات القازاقية ودراسات آسيا الوسطى من شباب الباحثين بأقسام اللغات الشرقية واللغة الروسية والعلوم السياسية. أما التعاون في مجالات الزراعة وتربية الحيوان والعلوم الأساسية والطب والعمارة في مستوى الجامعات فيتطلب تخطيطًا دقيقًا في إطار مشروعات مشتركة ذات طابع أساسي أو تطبيقي، وتتجاوز الزيارات العابرة.
  • الصورة الإعلامية عن العرب في آسيا الوسطى وعن آسيا الوسطى عند العرب تكاد تكون غير واضحة، وذلك على الرغم من حسن النية والرغبة الصادقة. هناك صورة تجارية محددة عن دبي، ولكن عدم المعرفة بالتاريخ الثقافي وبواقع الحياة في الدول العربية هنا وهناك تجعل تبادل البرامج الإعلامية بين هذه الدول وكازاخستان مطلبًا عاجلاً، بهدف ثقافي حضاري يناسب المشاهدين. العلاقات المباشرة مهمة حتى يحصل المستمع أو المشاهد على رؤية حقيقية، وليس من خلال قنوات وسيطة لا صلة لها بنا أو بهم. وقد يؤدي التطور في الجيل القادم إلى إصدار طبعة أسبوعية عربية في آسيا الوسطى من إحدى الصحف العربية الكبرى، وتقديم معلومات مباشرة ومنظمة في الصحف العربية من خلال علاقات إعلامية قوية.
  • التراث الثقافي المشترك هو في المقام الأول كل ما ألفه علماء آسيا الوسطى بالعربية، وكل ما كتب بالعربية عن آسيا الوسطى في كتب التاريخ أو في المراجع العامة. وهناك عمل كبير يمكن إنجازه عن كل هذا التراث المشترك لجمع المخطوطات أو مصوراتها ولجمع المؤلفات وتحقيقها وطبعها ولدراستها ولترجمتها ولجمع النصوص من الكتب والمراجع العامة وتحقيقها والتعليق عليها وطبعها ودراستها وترجمتها، ولجمع المخطوطات التي تتحدث عن علماء وتراث هذه النطقة أو مصوراتها ودراستها وترجمتها. هذه المجالات جادة للعمل العلمي في التراث الثقافي المشترك.
  • ضرورة الاهتمام بآفاق التعاون في مجالات التربية واللغة العربية والحضارة والتربية الإسلامية، ومنها: الكتب ، الدورات التدريبية، التقنيات، نموذج الجامعة الإلكترونية، وإيفاد الطلاب والمدرسين، واللقاءات العلمية، والمؤتمرات،...وغيرها.
  • إبرام اتفاقيات تعاون أو توأمة بين الجامعات في هذه البلاد ومصر مع مراعاة التنوع في البلدان التي يتم إبرام الاتفاقيات معها، بغية التخصص في البحث والانتفاع من هذه الاتفاقيات، مع العمل على إصلاح النظام التعليمي بشكل شامل، وإعادة بناء علوم الحضارة الإسلامية والحضارة المصرية القديمة والحديثة بشكل يتناسب مع العصر الحاضر وفهم شمولي صحيح وبما يناسب الواقع، وتقديم الإسلام بصورة مشرقة للآخرين، ويحتاج ذلك إلى البدء بالأسس والقواعد، انتقالا إلى المناهج والمؤسسات، ومرورا بالمدرّسين والكفاءات، وانتهاء بالأهداف المقررة والمنجزة، وهو مشروع ضخم جدا وبحاجة إلى تعاون الدول الإسلامية مجتمعة في إنجازه.
  • تسهيل إجراءات التنقل بين البلدان الإسلامية والإقامة فيها للباحثين والعلماء، تشجيعا لهم على التنقل ونقل الخبرات واكتساب خبرات الآخرين، وكم نعاني الآن من قيود التأشيرات وإجراءات المطارات والعوائق المتعددة لزيارة هذه البلاد في حين يسمح للغربيين بالدخول والتنقل والتجول فيها بحريَّة مطلقة.

د. عبد الرحمن حجازي

رئيس الإدارة المركزية للشئون الأدبية والمسابقات بالمجلس الأعلى للثقافة

ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها سابقًا، بكلية اللغة العربية والحضارة الإسلامية،

بالجامعة المصرية بكازاخستان

 على الرغم من شيوع هذا المصطلح فإنه من الصعب تعريفه بسهولة في هذا العصر المليء بالمتناقضات؛ حيث إن الثقافة من المصطلحات الشائعة، فكل من يطلقها يقصد بها معنى مختلفًا ومتنوعًا، ومصطلح الثقافة من أكثر المصطلحات استخداما في الحياة العربية المعاصرة، وبالتالي فهو من أكثر المصطلحات صعوبة على التعريف؛ ففي حين يشير المصدر اللغوي والمفهوم المتبادر للذهن والمنتشر بين الناس إلى حالة الفرد العلمية الرفيعة المستوى، فإن استخدام هذا المصطلح كمقابل لمصطلح (Culture)  في اللغات الأوروبية تجعله يقابل حالة اجتماعية شعبية أكثر منها حالة فردية؛ فوفق المعنى الغربي للثقافة: تكون الثقافة مجموعة العادات والقيم والتقاليد التي تعيش وفقها جماعة أو مجتمع بشري، بغض النظر عن مدى تطور العلوم لديه أو مستوى حضارته وعمرانه. وبذلك فإن الإشكال يطرح نفسه، ذلك أن تعريف الثقافة اختلط عند العرب باعتبار أن هناك فرقًا بين المثقف والمتحضر. فالمثقف هو الذي يتعدى إحساسه الذاتي للإحساس بالآخر، والمتحضر هو الذي يسلك سلوكًا يلائم البيئة الذي يعيش فيها، ولكي يكون الإنسان متحضرًا لابد أن يكون مثقفًا.

والثقافة- كما هو معروف- هي مجموعة من الأشكال والمظاهر لمجتمع معين، تشمل: عادات، وممارسات، وقواعد، ومعايير كيفية العيش والوجود، من ملابس، ودين، وطقوس، وقواعد السلوك، والمعتقدات. ومن وجهة نظر أخرى، يمكن القول إن الثقافة هي كل المعلومات والمهارات التي يملكها البشر.

ومن هنا يتبدى لنا بأن الثقافة لا تتطور بدون تطور فكري، وهذا التطور الفكري لا يتم إلا من خلال تمازج تلك الثقافات والنظر إلى كل النظريات التي تناولت هذا الجانب أو ذاك، وأسهمت من خلالها إلى الإبداع والإنتاج من جديد عناصر أولية كانت هي الأخرى ذات نتاج معرفي، ونحن نقسم الثقافة إلى مادية ولا مادية، فإن اللغة هي محتواة في طوايا الثقافة، فاللامادية هي تلك آليات التفكير ونقل الرموز وعصارات الفكر الإنساني وحالات التناقل والتثاقف بين تلك الشعوب ، وهي مجموع العلوم والمعارف والنصوص من لغة إلى أخرى عبر الترجمات ، أما اللغة فتشكل عنصرًا أساسيًا في تكوين المعرفة والبراهين والصناعات ممزوجة بالأساطير التي رأى فيها الإنسان أمنه وحمايته من الحيوانات الكاسرة أو في حروبه واعتدائه، أو ربما بأساليب تكيفه مع البيئة كان ذلك كله ذات صناعة إنسانية، فالإنسان هو وحده الذي له لغة وثقافة في آنٍ واحد دون سواه من الكائنات والمخلوقات على وجه الأرض. إن التباين باللغات يفرض علينا نوعًا من الثقافات وآليات التفكير وكذلك البيئة التي ينخرط فيها الإنسان، فآليات التفكير لدى الشعوب التي تعيش في الصحراء تختلف عن الذين يعيشون على الشواطئ أو في الغابات، وهذا التشكل يأخذ خصوصية ولكن مع تطور المجتمعات ووسائل الاتصال كما هو في حالنا اليوم لم يعد ممكنًا أن تبقى هذه المجتمعات منعزلة عن المجتمعات الأخرى، فإن لم تندمج معها، فلا بد أن تتأثر إلى حد ما، وهذا التأثر سيغير في آلية التفكير ويضيف إلى اللغة والمصطلحات واستخدام معطيات الثقافة المادية بما يتوافق مع هذا المجتمع، وبهذا يبدأ التغير في أدق تفاصليه، وإذا لم يفعل ذلك المجتمع تنحسر اللغة لديهم ، وكذلك ثقافتهم ، وكلما ازدادت الرمزية تقاربت الثقافات، وهذا الترميز هو مفردات وتعبيرات مركبة تستخدم في سياقات خاصة كما في علوم الرياضيات، وفي مساحات أخرى نرى أن الفن التشكيلي هو لغة خاصة عالمية لكل بني البشر، ولا تتدخل فيها اللغة المنطوقة، إلا من خلال الاستدلال والاستنتاج أو قراءتها، وتحمليها تلك المضامين لتلك الثقافات ما نسميه لغة مرموزة من نوع خاص، وأن اللغة والثقافة هي مكتسبة، فمن يعش لفترة طويلة في بلد يتكلم غير لغته التي تعلمها في بداية حياته سيفرض عليه الواقع أن يتعلم اللغة الجديدة، وبهذا ينسى لغته الأصلية، كما أنه سيتطبع بالثقافة الجيدة التي يعيشها، وسوف ينسى ثقافته وعاداته ، ويكون ذلك التحول والنسيان للثقافة واللغة عبر السيطرة الاستعمارية التي تفرض سيطرتها لفترة زمنية ، وبأقلية يمكن أن تسيطر على الأكثر، وبهذا تتحدد وترتبط قوة تلك الثقافة واللغة الوافدة، وحجم العراك الذي سيفضي فيما بينهما، وهذا مرهون بأبنائها وقوة الثقافة واللغة اتجاه الوافد والمسيطر، ويمكنها أن تغير في طبيعة وثقافة الوافد إليها رغم ما يتمتع به من سطوة وقوة وجبروت والشواهد التاريخية في أذهاننا ماثلة كالمغول عندما هجموا على الحضارة العربية الإسلامية في أوج ازدهارها في العصر العباسي ، كانت النتيجة أن المغول قد تركوا معتقداتهم ولغتهم وأخذوا واستمتعوا باللغة والثقافة العربية ، فيتبين لنا قوة تلك الثقافة واللغة ، وتأثيرها على الآخرين.

     إن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي اليوم، يحملنا بكل صدق إلى غياب الأمل في تكامل موحد بقرار سياسي، وأصبح الأمل معقودًا على التكامل الثقافي؛ إذ أصبح الأمل الأكبر في صياغة مشروع جديد للتكامل العربي ملقاً على عاتق الثّقافة والفن؛ إذ إن ما يوحد العرب قبل كل شيء هو واقعهم وماضيهم الحضاري. فرغم محاولات ضخّ  ثقافات أخرى في مجتمعاتنا، فلا يزال العربي متمسِّكًا بنموذجه الشرقي الإنساني، الذي يجعل الأُسَر والعلاقات الاجتماعية والتضامن التلقائي عصب تلاحم المجتمع. كما أن العلاقة بين الشّعوب العربية تتجاوز المواقف السياسية والواقع الاقتصادي، وتتجسّد في حوار القلوب والعواطف التي تحمل انتماءً واضحًا عجز الزمن والمؤامرات عن طمس معالمه، ثم إن ثروة وحدة اللّغة العربية المكتوبة قد ضمنت لهذا الترابط وجوداً أزلياً، تحمل الثّقافة مسؤولية تقويته والحفاظ عليه، ويتكفّل الفنّ في ظلّ تقدّم وسائل الاتصال والإعلام بتجسيده واكتماله، لإعادة تقوية التّعارف بين العرب بعضهم ببعض، ودفعهم نحوَ التقارب والترابط، قصد تجديد المشاعر الأخوية، وترميم حسن نوايا العربي نحو العربي، إصلاحًا لما أتت عليه السّياسة وعجز الاقتصاد عن ترميمه.

       فالعرب- وبحكم التاريخ والثقافة- لهم ما يوحدهم أكثر مما يفرقهم، وكل ما علينا فعله هو العمل على ترميم الجسم العربي وتربية جيل، بل أجيال طامحة لبناء وطن عربي واحد موحد حقيقي، يتطلع أفراده لتحقيق مشاريع تجعل من العرب عنصرًا أساسيًا وطرفًا صعبًا في رسم معالم المشهد الاقتصادي والسياسي العالمي. وقد حان الوقت ليتحرر الحلم العربي من أوراق المواثيق غير المفعلة والاجتماعات الشكلية، لينزل إلى الواقع ويكون فعلاً لا قولاً وحقيقةً لا خيالاً.

        ومن المؤسف دائمًا ما نقرأ التقرير الذي يقول:"إن المواطن الأوروبي يقرأ بمعدل ٣٥ كتاباً في السنة، في حين أن المواطن العربي لا يقرأ سوى ما يعادل ٦ دقائق في السنة". كما أنه من المحزن أن نرى دولاً فقيرة من العالم الثالث سواء في شرق آسيا وجنوب أميركا وبعض الدول الأفريقية وغيرها على لائحة إحصاءات المنتجات الثقافية الخاصة باليونيسكو ولا نجد الدول العربية.

     وهكذا في وطننا العربي الحبيب لا يتجاوز متوسط قراءة الفرد 6 دقائق في السنة، 6 دقائق يتجرع مرارتها وطننا العربي يومًا بعد يوم تضيع بسببها مشاريع اقتصادية كبرى، وتندثر أفكار نهضوية وسياسية عظمى، قد يقول قائل إن هذه النسبة ليست مكمن الداء ولن نُحمِّلَها أكثر من طاقتها، إن كان الحال كذلك فكيف سيتعرف هذا العربي الشاب على تاريخه؟ أين ومتى سيقرأ عن عظماء وطنه وأمته؟ من أين ستراوده فكرة الوحدة العربية؟ وكيف سيستشعر فكرة التكامل الثقافي للوطن العربي؟ وإذا نظرنا إلى أوروبا فسنجد أنه يصل متوسط قراءة الفرد فيها إلى 200 ساعة سنويًا، وقد تُفسر لنا هذه النسبة كل شيء؛ فأوروبا أضحت أقوى اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، وهي موحدة في ظل الاتحاد الأوربي أكثر مما كانت عليه وهي متفرقة، وأن تشكيل الاتحاد الأوربي سرَّعَ-  وبشكل غير متوقع- من نمو كل البلدان المشاركة فيه بعدما أنهكتها تبعات الحرب العالمية. فأوروبا، بعدما ذاقت الويلات من حروب طاحنة ومن تيارات فكرية تفرق شملها أكثر من أن تجمعه، ها هي الآن تُلقِّن العالم درسًا في قيمة الاتحاد المبني على التكامل.

إن ما نحتاج إليه اليوم على صعيد التكامل الثقافي العربي هو العمل الثقافي المشترك تطبيقيًا لا نظريًا فقط. هذه تفرقة ضرورية ينبغي الانتباه إليها؛ فالعمل الثقافي هو المشاريع والأدوات الثقافية على أرض الواقع وفي صفوف الناس. أما الفكر الثقافي فهو القيم الفكرية والأسـس النـظرية التي تمثل مقومات النهضة والتقدم مثل الحرية وحقوق الإنـسان والتفكير النقدي والاستنارة والانفتاح وغيرها من القيم قد أصبحت اليوم من المسلمات، ولهذا آن أوان تجاوزها، فلم تعد هناك من قيمة جديدة مضافة من وراء تكرار الحديث عنها ليل نهار. لقد أصبحنا نرتاد بعض المؤتمرات والندوات، فنكاد نشعر أن الكلام ذاته قد سمعناه من قبل مئة مرة، فلماذا نصر على إعادته وتكراره؟ لكن في المقابل نحن نحتاج بشدة إلى العمل الثقافي الذي من خلاله يمكن ممارسة هذه القيم على أرض الواقع وفي حياة الناس.

دور الثقافة والفنون في إرساء التكامل الثقافي بين الشعوب

     إن دور الثقافة والفنون في إرساء التكامل الثقافي والنهوض بالمجتمعات العربية أصبح أكثر تعقيدًا وتشابكًا. ونقول إنه في ظل التشوّه الذي لحق بنمط الاستهلاك في الدول العربية الذي لم يقتصر على الاستهلاك المادي وإنما امتد إلى أنماط الإقبال على الفنون والثقافة والرموز “القدوة” للأجيال الجديدة التي تتجه لكل ما هو غربي، وسريع، و”معلب”، لم تعد لدينا مساحة لأطروحات التنوير الثقافي، أو مناقشة دوره في تحقيق التكامل الثقافي العربي، وليست لدينا مساحة لنتحدث في المنطقة العربية عن “صناعة الثقافة”، لكي نتماشى مع ما هو مطروح عالميًا.

     إذا كانت معوقات التكامل الاقتصادي والوحدة السياسية حاضرة بكل ثقلها في واقع عالمنا العربي، فإن الثقافة والفنون ما زالت تملك مفاتيح دخول بيوت العرب كلهم بغض النظر عن انتماءاتهم أو خلفياتهم! ومن هنا يكمن الدور الجوهري للثقافة والفنون في بناء أرضية تعارف بيننا تجعلنا نلمس بعمق أكبر نقاط تشابهنا الاجتماعي وأوجه تطابقنا الإنساني؛ فهي قادرة على جعلنا نجد أنفسنا في بعضنا البعض، فتسقط بذلك مشاعر التباعد تلقائيًا وتستقر مكانها روح التسامح وسلوك السماحة، ثم يعلو التّطلع لوحدة عربية جعلتها صراعات الماضي تبدو مستحيلة المنال. وتكمن قوة الثقافة والفن الأساسية في قدرتهما بلوغ الشعوب مباشرة ودون حواجز سياسية، ودخول قلوب أهلها دون مراعات لطبيعة الظروف الاقتصادية، ومحاورة عقولهم بهدوء رصين لا يحمل تعصبًا لإيديولوجية بعينها. الثقافة و الفن أملنا في تقوية وحدتنا دون انتظار قرارات سياسية جريئة تمضي في نفس الاتجاه!

أن للثقافة العربية مُثُلاً وقيمًا وآفاقًا إنسانية متفردة تجري فيها مجرى العناصر المكونة، فالعدل والسلام والمساواة والحرية وحق العلم، التسامح، والتكافل، واحترام العقل، وكرامة الإنسان، وغير ذلك من القيم الإنسانية المشتركة بين البشر، بديهيات أساسية في ذاتيتنا الثقافية، وفى تراثنا الديني والفكري، وهذه العناصر الإنسانية قادرة على الإسهام والمشاركة في إقامة نظام ثقافي دولي جديد، ذلك أن التحديات التي تشكل أزمة عالمنا المعاصر ليست اقتصادية أو سياسية فحسب، بل ثقافية بشكل أساسي؛ لأن التوترات والحروب تنشأ أولاً في الأفكار والرءوس وتزول أول ما تزول منها.

وقد أكدت مستجدات التغيرات العالمية المتلاحقة على مختلف الأصعدة، السياسية والاقتصادية والثقافية، على صدق وخصوبة المنطلقات النظرية للخطة الشاملة، وأن رؤيتها العامة لاتزال صالحة، بل وكاشفة لأبعاد تلك المتغيرات وتسارعها المطرد، فلا يزال صحيحاً أن التنمية الثقافية لابد من إنجازها كجزء من نسق أشمل للتنمية بأبعادها المختلفة اقتصادياً وسياسياً وتعليمياً وإعلامياً، ولاتزال ديمقراطية الثقافة شرطاً لفاعلية جهود التنمية، ولاتزال ديمقراطية الثقافة لا تنفصل عن ديمقراطية الحياة الاجتماعية، ونهوض المجتمع المدني بمختلف مؤسساته، ولاتزال الأهمية ملحة للتعامل الدينامي مع التراث الثقافي باعتباره كنزاً واسعاً من الخبرات والقيم والعطاء الحضاري، والأساس الذي تقوم عليه الهوية الثقافية العربية والجذر الذي يغذي طاقتها وثقتها بنفسها، ويلهم تطورات المستقبل، ولاتزال مهمة ردم الفجوة المطردة الاتساع بين وتيرة التسارع التحديثي البطيئة في ثقافتنا، وبين وتيرة التقدم العلمي والتكنولوجي متزايدة السرعة تتطلب إقامة التوازن بين التأثر والأصالة بالعمل على استيعاب التطورات التقنية جميعا على أسس إبداعية دون خوف، وبأن تتحقق التحولات الثقافية من خلال السمات القومية المتميزة.

 التعليم والثقافة

تبرز العلاقة بين التعليم والثقافة من الجهود العربية المدركة لضرورة التفاعل والتلاقي بين الشعوب العربية من ناحية ودول العالم ومنها آسيا الوسطى من ناحية أخرى، وربما تكون البداية من المؤسسة التعليمية، وما سيكون للمدرسة والجامعة من دور أساسي في ذلك، وهنا نذكر أيضًا قضية العلاقة بين (الذات / والآخر) بوصفها محورًا مركزيًا في سياق التنوع اللغوي والتعدد الثقافي ، والذي ينبغي أن يقوم على الاعتراف بالآخر وبضرورة الالتقاء والتفاعل مع كل دول العالم ومنها آسيا الوسطى بشكل أو بآخر، مع الحرص على بلورة الهوية والحفاظ على الخصوصية. وهنا يبرز كذلك دور المثقفين من العلماء والمفكرين العرب للتأثير على الحكومات وعلى المسئولين عن التربية والتعليم في الدول العربية للتركيز على تدريس اللغة العربية ورفع شأنها وتدريس التراث العربي القديم والتعريف بالعلماء العرب القدماء الذين كان لهم فضل كبير على النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر الميلادي، والذين استمدت العلوم الحديثة من اختراعاتهم واكتشافاتهم الكثير.

   إن مشكلات العولمة والثقافات الوطنية من أدق الموضوعات فى العالم المعاصر. تختلف اللغات والثقافات والعادات فى المجتمعات الإنسانية، وهذا التعدد ليست فيه مشكلة فى إطار التسامح بين البشر والمساواة والاحترام المتبادل. ولكن المشكلة تكمن فى أن بعض الدول أصبحت تملك القوة العلمية والاقتصادية والعسكرية...إلخ. إن العولمة يمكن أن تتحول إلى اتجاه قوى للتعاون فى العالم ضد الفقر والتخلف والحروب ومواجهة مشكلات البيئة والأوبئة والكوارث الطبيعية. ومن الخطر فهم العولمة على أنها حرية التجارة والأسواق المفتوحة فقط، دون الاهتمام بالجوانب الاجتماعية والسياسية والتعليمة والبيئية لحياة البشر كافة.

من ناحية أخرى، فإن التقنيات الحديثة تقنيات يفرضها التطور الراهن في مجال التكنولوجيا والعلوم المتطورة، وقد ظهرت على شكل ثورة لتعلن عن عصر جديد مليء بمفاهيم جديدة، تشغل الحياة الإنسانية بكل ما تحتويه من تطور علمي هائل يخدم البشرية من حيث الهدف الذي تصبو إلى تحقيقه عن طريق الأدوار التي تلعبها وسائل الاتصال في تقريب الأحداث إلى كل الدول، وتحويل المجتمع الواسع إلى قرية صغيرة، كل ما يقع فيها يصلنا في حيز زمني قصير، ومثال هذه الثورة هي الهاتف المحمول، والبث التلفزيوني باستعمال الساتل، والإنترنت،...إلخ. والقائمة طويلة في هذا الميدان الذي يتقدم مع تقدم الزمان. ولا ننسى أن هناك بعض التساؤلات التي تُطرح كلما ظهر اختراع جديد، حول اندثار حدود المكان، واختراق فواصل الزمان، والأثر الذي قد يلحقه بنا كمستهلكين، والقدرة التي يوفرها لنا كمنتجين! هل يملك شبابنا زمام هذه الثورة التكنولوجية الجديدة؟ وهل يستعملونها استعمالاً ملائمًا؟ وما أثرها على معارفهم وعلى التواصل فيما بينهم؟  وما الدور الذي تلعبه في تلاقح  الثقافات، وفي التعريف بالآخر وحضارته رغم البعد الزماني والمكاني المختلف؟ هل نحن عنصر منتج أم مجرد مستهلك فقط؟ وكيف يمكن الحديث عن ما يسمى بالتحيُّز أو الاستغلال الذي يمكن أن تلعبه هذه الوسائل لخدمة أغراض سياسية وإيديولوجية مختلفة؟

     من المهم في هذا الصدد تكوين وعي جديد بأهمية إتقان اللغة العربية والمعرفة الجيدة بلغة أجنبية أو أكثر من لغة؛ لذا يجب ألا يُنظر إلى عملية تعلُّم اللغات من منظور الترف الاجتماعي، وإنما هي فعل حضاري في غاية الأهمية في عصر العولمة، والتقنية، والانفجار المعرفي العالمي، والتحولات السياسة المتسارعة، والعلاقات الاقتصادية الدولية المتنامية، وبخاصة أن تلك الأهمية تنطوي على فوائد استراتيجية عُليا وأخرى تربوية تعليمية، وذلك يعود إلى أن اللغات وسيلة مهمة لنقل المعارف والعلوم من أمة إلى أخرى، وأداة لخلق تلاقح ثقافي بين مختلف الثقافات، وبمثابة حلقة وصل لزيادة أواصر التواصل بين شعوب العالم، وذلك كله حين تحققه على أرض الواقع يؤدي إلى عمارة صالحة للكون.

وبذلك يمكننا القول إن هناك علاقات مشتركة في الثقافة الإنسانية تعتمد على معرفة اللغة واستخدامها، تكون اللغة الحسية والنفسية والبصرية هي أوجه القراءة اللغوية بشكل خاص، ومن هنا نستدل أيضا على أن اللغة في أساسها هي محاكاة الواقع، ولو لم تكن كذلك، فلا يوجد أحد من أن يفهم تلك اللوحات إلا بلغة مكتوبة أو منطوقة ، وإن زيادة الثراء اللغوي ومفاهيمه نتج عنه تطور فكري ، فالفكر أسبق من الثقافة ، فكلما كنا أغنياء في ثقافتنا الروحية والفكرية نكون أكثر غنى في ثقافتنا المادية، ولا يتوقف على هذا الجانب، فالكثير من المجتمعات التي تحمل ثقافة ولغة ، ولكنها لا تحمل حضارة ، كالشعب الأفريقي مثلاً، ورُبَّ قائلٍ ما فائدة ذلك التطور الثقافي واللغوي إزاء تلك الحضارة، فيمكننا القول بأن هذا التطور يمكن أن يكون له حامل لغوي وثقافي، ولكنه ليس منتجا له، إن مفردات الثقافة هي متكثرة في الجوانب الحياتية، ولكن اللغة يمكن أن تفصل فيما بين المعضلات فيما بينها أو أنها هي الأداة التي تساعد على هضم الثقافة، وليست اللغة هي الطريقة الوحيدة في فهم الثقافة الإنسانية في حدودها الكلية؛ لأنها تشمل كل العادات والتقاليد والفنون والآداب والفلسفات، وهذا ما أشار إليه تايلور بقوله في تعريف الثقافة (هي الكل المركب من التقاليد وجميع المعارف والفنون والآداب والقانون ، وكل العادات المكتسبة من قبل الإنسان بوصفه عضوًا في هذا المجتمع)، كما جاء تعريفها في المعجم الفلسفي المختصر: "هي مجمل ألوان النشاط التحويري للإنسان والمجتمع".‏

وفي النهاية يمكننا القول إننا جميعًا مسئولون أمام ضمائرنا ومجتمعاتنا، فلنجعل الطريق طريق الخير والأمل والعمل الدؤوب، ولنبحث عن التكامل الثقافي والفكري والمعرفي الذي يقودنا نحو التطور والتقدم؛ فلنبحث عن السير نحو مستقبل أفضل، بدلاً من تعطيل العقول والتمادي في الخمول، ولنعمل للوصول إلى طريق الاستقرار، ولنحرص على وحدة العقول والأفكار، ولنكن مساهمين في تشييد البنيان والحفاظ على الأمن والأمان لعالمنا العربي العظيم الذي يتطلع إلى العلاقات القوية مع الشعوب التي تحبنا وتريد أن تتعاون معنا في كل المجالات كشعوب آسيا الوسطى كلها..

الإثنين, 17 شباط/فبراير 2020 14:18

الإبداع ضد الإرهاب والتطرف الفكري

د.عبدالرحمن حجازي

 لا شكَّ أن "التطرف والإرهاب"، يستحيل مواجهتهما بالقوة الصلبة التي تتمثل في أدوات القوة من "جيش وشرطة" فقط، بل إن المواجهة الحقيقية مع هذه الظاهرة التي تفاقمت مع نهاية السبعينيات من القرن المنصرم، تستلزم حشد كل القوى المجتمعية (الصلبة والناعمة) من أجل مواجهتها مواجهة حاسمة. فالقوى الناعمة هي قاطرة المواجهة الموازية مع القوة الصلبة، ويقصد بها تلك الوسائل أو الأدوات التي من خلالها يتم صياغة الثقافة الجديدة لدى عقول الشعب المستهدف، بحيث يصبح المواطن واعيًا بالقدر الكافي، ومشاركًا بالتالي في المواجهة مع هذا التطرف وذاك الإرهاب اللذان يتلونان وفقًا لطبيعة المجتمعات، ولكن مركز صناعتهما هي أجهزة المخابرات الغربية التي لازالت تلعب دورها في إعادة إنتاج الاستعمار الغربي واستمراره، لدول العالم الثالث في مقدمتها دول الوطن العربي ومحيطه الشرق أوسطي، ولإعادة صياغة الثقافة السائدة وتحويلها من "ثقافة استسلامية" تتعاطي التطرف والإرهاب إلى "ثقافة مقاومة" لهذا الإرهاب والتطرف. وللتحول من "ثقافة الاستسلام إلى ثقافة المقاومة" للإرهاب والتطرف، تتفجر جملة التساؤلات، عن الجهة المسئولة وأدوات تحقيق ذلك.

نصت الاتفاقية فى المادة الأولى– البند الثانى، على تعريف للإرهاب وهو: "كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيًا كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لشروع إجرامى فردى أو جماعى، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر".

 يمثل الإرهاب واحدًا من أكبر المخاطر التي تهدد السلامة والأمن الدوليين، وقد رفض المجتمع الدولي أيضا رفضا قطعيا ربط الإرهاب بجنسية أو بدين أو بعرق ما على الرغم من غياب تعريف واحد ومتفق عليه للإرهاب في القانون الدولي، فإن وصف عمل ما بأنه "عمل إرهابي"، لا يعني فقط أن ذلك الحدث يجمع بعض الخصائص لكن هذا الوصف يعني أيضا أنه لا يمكن قطعا تبريره بأي سبب سياسي أو فلسفي أو إيديولوجي أو جنسي أو عرقي أو ديني، أو بسبب أي شيء آخر، لكن يوجد تعريف مثير للجدل يشرع استعمال بعض أشكال العنف في حالات خاصة قد لا ترتقي بهذا المعنى إلى مفهوم الإرهاب، وعلاوة على ذلك قد يساء استعمال تعريف واسع جدا للإرهاب لكبت المعارضة وتهديد أسس المجتمعات الديمقراطية.

هل تصلح أساليب تنمية الإبداع بمختلف أنواعها (سواء الإجرائية أو التربوية أو العلاجية) لمواجهة ظاهرة الإرهاب ؟ وهل يفيد تطويع  أساليب الحل الإبداعي للمشكلات لمواجهة هذه الظاهرة متشعبة الأسباب؟

فإذا سلمنا بما تؤكده الدراسات النفسية المعاصرة بأن كل شخص مبدع بدرجة ما، وأن دوافع الإبداع تستمد طاقتها من المجتمع الذي يحيا بداخله الفرد،  وإذا  تبنينا تعريفًا للإبداع بأنه القدرة على التعبير الحر عن الأفكار، والمشاعر، والأفعال في ظل بناء نفسي له تكوينه الخاص، وسياق اجتماعي له خصائصه المركبة،  فإن التعرف على هذه الأفكار، والمشاعر، والأفعال من ناحية، والتعرف على مترتبات كبحها من ناحية ثانية، والتعرف على وسائل تحريرها من ناحية ثالثة، قد يكون مفيدا في فهم الآليات النفسية، والخبرات الإبداعية التي يمكن ان نواجه بها مختلف ظواهر التطرف الفكري، والإرهاب الإيديولوجي، والعنف المادي والمعنوي.

"إنما الأمم الأخلاق ما بقيت          فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا"

إن من الشعر لحكمة، وهذه الأبيات هي عبارة عن حكم ونوادر وكلام بليغ يستحق التقدير والتأمل، وهي كلمة جامعة لكل فعل يصف حال المجتمعات والشعوب، قالها الشاعر أحمد شوقي (رحمه الله) منذ بدايات القرن الماضي، وكأنه يصف الدواء لكل داء يصيب الأمم حينما يكون المصاب في السلوك والأخلاق، والتي ليس بمعناها الحرفي ولكن يقصد بها أي انحراف وتطرف عن كل ما هو مألوف ومتعارف عليه بين عادات وتقاليد ومبادئ وقيم المجتمعات، أو كل ما يخالف الفطرة الإنسانية السليمة المبنية على النقاء والتسامح والقدرة على التذوق والتمييز بين الصواب والخطأ وكل ما هو يرقى بالسلوك الإنساني .

ولعل أبرز ما يمكن ان يوصف بانحراف السلوك في المجتمعات هي ظاهرة العنف والإرهاب والتي تعبر عن التطرف الفكري والعقائدي وفرض الرأي والتعبير عنه بسيادية واستخدام ابشع الأساليب والطرق تصل أحيانا الى القتل وسفك الدماء.. إنه الإرهاب مرض العصر والذي تفشت أواصله بعد تراجع دور الوعي والثقافة وتأثيرها على المجتمعات.. إنها (القوة الناعمة)، تلك القوة التي على أساسها تنهض الدول وترتقي بمكانتها، إنها القوة التي جعلت من شوقي وغيره من رواد الأدب والشعر والفنون هم علامة لزمنهم.

ولدراسة ظاهرة الإرهاب مدخلان، أحدهما يتعلق بالشخص أو الجماعة ، والآخر يتعلق بالمجتمع أو السياق المحيط الذي يفرز هذا الشخص، أو هذه الجماعة.

وعلى هذا ، تتعلق العملية بدور تنمية التفكير الإبداعي كوسيلة لمواجهة ظاهرة التطرف الفكري (والإرهاب)، وكيف يمكن للتنشئة الإبداعية عبر مختلف آلياتها (الأسرية، والتعليمية، والثقافية، والاعلامية .. الخ) الحد من بزوغ أو تفاقم أو انتشار هذه الظاهرة.

لقد كانت الحرية وإعلاء قيمة الانسان هي الموضوعات محل اهتمام الفلاسفة والمفكرين عند تناولهم لمفهوم الإبداع المراوغ ، وكانت الحرية هي محك الحكم على البارزين و العباقرة. وامتد الأمر بعد ذلك للحكم على المجتمعات الأكثر إبداعًا في ضوء الدرجة التي يوفر بها المجتمع مناخًا ديموقراطيًا يُعلى من قيمة الحرية، وقيمة الإنسان. وقد تبنى فيما بعد مجموعات من العلماء و الباحثين هذا التوجه، ونظروا للدوافع المحركة للإبداع، من مدخل أن الإبداع هو أحد الوسائل التي يتكئ عليها الإنسان لبلوغ الحرية.

من ناحية أخرى، فإن الإبداع والديموقراطية يعارضان الاستبداد وسيادة الرأي أو الشكل الواحد؛  فتعارض الديموقراطية سيادة الإرادة أو التوجه الواحد. ويتمسك الإبداع بضرورة مراعاة التعدد على المستويات كافة للإفادة من مختلف التجارب، والانفتاح على كل الأفكارتويات، وتؤمن الديموقراطية بأن مكامن القوة في المجتمع متعددة ومختلفة، وأن كل تمركز للسلطة يكون على حساب إقصاء ذلك التعدد والاختلاف سواء على المستوى الأخلاقي أو على المستوى السياسي أو غيرهما. فحرمان مكونات المجتمع من طاقاتها المبدعة، معناه حرمانه من مكوناته الخلَّاقة. ويلتقي الإبداع والديموقراطية في تقديرهما الكبير للحياة عمومًا، وللإنسان على وجه الخصوص. وقد ارتبط الإبداع منذ نشأته بالاهتمام بالحياة وتقديرها، كما ركز على المقومات التي يملكها الفكر الإنساني، وعلى ضرورة توظيفها من أجل تقدير الحياة، وعليه لا يستطيع المبدع– في مجالات الإبداع كافة– من عدم اقتراح الديموقرطية على مستوى الفعل السياسي والثقافي والاجتماعي؛ لأنها هي وحدها التي ستسمح بخلق محيط مناسب لتقدير الإنسان والحياة معًا.

 

الصفحة 4 من 246

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية