بقلم : د . عبير المعداوي

كثيرا ما كتبت أن محنة الأمم الحقيقية لا تكمن في إحتلال الأرض و تدنيس التراب بل في إحتلال العقول و تدنيس الأفكار بما يسمح للشيطان أن يرتع و يحقق أغراضه .

و كم ذكرت إن إحتلال الارض يمكن استعادتها و تحريرها لكن من الصعب تحرير العقول و استعادة قوتها ، و إذ أذكر حضراتكم أعزائي القرّاء فأود أن أشير هنا قبل أن أبدأ حديثي لكم أننا أصبحنا أمة محتلة العقل و ربما تخضع بلادنا للمستعمر لكن بشكل خفي يصعب إكتشافه الا حينما تفضح احدى الكوارث و القضايا المتعلقة بالفساد و التي لا نجد لا تفسير أو حل عاقل ،و النتيجة كارثة مجتمعية خاصة إذا كان المستعمر أدرك إن تدميرك سيكون بيدك فيكف يكون له ذلك ؟!

وفي الواقع ، ثلاثة هم من أسس الأمن القومي للوطن
التعليم و الثقافة و الصحة
اذا فقدنا احد الدعائم قضينا على هوية الوطن و تمسكه و سمحنا للباطل ان يخوض معركته داخل الانسان و ينتصر عليه و هذه اعظم الهزائم في الارض و لذا نذكر أهمية المقولة التي تقول
(ابني انسان سأعطيك وطن مستقر ) ، و ما حدث لبلادنا العربية هو فساد تغلغل إلى جذور الوطن و المواطن و أصاب و أفسد أخلاقه و ضاعت معه القيم و الفضيلة حتى الدين أصبح مستهدف من الجماعات المضللة سواء التكفيرية المتطرفة التي ادعت الإيمان أو الجماعات الاخرى الملحدة التي تتخفى أيضا خلف اسم الديانة ثم تطلق سمومها تحت شعارات متلونة الهدف منها في النهاية ليس تصويب الدين بل تضليل الناس و خداعهم حد الدعاية للجتقزيم الدين و التشكيك في صحته

المشكلة الكبيرة ان تلك الجماعات الملحدة المتخفية هي تنتمي لمنظمة عالمية تعطي المال بسخاء و تشتري مئات الأصوات حول العالم و بما أن استطاعت ان تخضع الفن و الاعلام و الصحافة من ممتلكاتها (أدوات الشيطان ) ، اصبح من السهل شراء أصوات و أشكال كثيرة تخرج علينا كل يوم ، من خلف البوق الكاذب و نرى أحدهم يتحدث عن الدين و هو أجهل خلق الله به و اخر يتحدث عن السياسة و هو لا يريد سوى إسقاط الدول و اخر يتحدث عن التاريخ و حقوق الانسان و ما يهدف له حقيقة هو خداع الناس للسيطرة عليهم

لم يكن باستطاعة هؤلاء الأشخاص أن ينجحوا بيننا في مجتمعاتنا إن لم يكن خلفهم قوى تساندهم و تدعم حصتهم في الشهرة و كسب المال و الترويج لهم و ربطهم مباشرة برجال السياسة من داخل نظام إدارة الدولة ورائها رجال الاعمال من يعمل اغلبهم كغطاء لهذه المنظمة داخل البلاد

و لم يكن ينجحوا أبدا لو كان هذا الشعب قويا بتعليمه محافظا على مستوى ثقافته و لا يعاني من مشاكل اقتصادية و صحية و اجتماعية ، لذا كان النجاح الكبير في بلاد العرب بسبب تفشي الجهل و التخلف و الظلم الاجتماعي و الخداع السياسي الذي لا ينتهي و كل المشاكل الصحية التي جعلت من المجتمع العربي كسول و متراجع

و أقول لشعبنا العربي الكبير منذ حرب الخليج الاولى و ربما من قبلها بسنوات منذ اختلفتم على معاهدة السلام مع اسرائيل و تمزقت روابطكم و نشر الشيطان بينكم فكرة الافضلية و نعرة التفاخر و التكبر بالمال و الزهو بالأبراج العملاقة ، و في الواقع لقد استسلم العرب للفشل و الاخطر أعطيتم عقولكم لمن ينشرون الباطل بينكم و يوزعون الأباطيل و يشوهون تاريخكم و حضاراتكم العظيمة بل و يتقصدون اليوم كل قدوة تاريخيه و رمز
و هم مستمرون في جريمتهم طالما انتم صامتون عن حقكم في تاريخكم و جاء الدور على أرضكم و من ثم كل شيء تمتلكون

و أشير يا سادة و لمن يهمه الامر موضة الاٍرهاب اوشكت على الانتهاء ، بمعني ان الجماعات الإرهابية سقطت ورقتها و خلال شهور قليلة لن تسمع باسم جماعة واحدة و البديل حرب من نوع اخر أشد خطورة و أكثر فتكا ، حرب ليست على الارض أو البحر بل حرب في السماء

و بات عليك أيها العربي يا من تعاني الجهل و الفقر و الصحة الضعيفة المليئة بالأمراض أن تواجه أسلحة جديدة شديدة الخطورة لا تعلم عنها شيء لا حضرتك و لا أجهزتكم الأمنية

و اصبح مطلوب منك حماية السماء و ستقول تقصدين حدودنا الجغرافية في السماء بل أقول سماؤك حول المدار الأرضي ، كم حذرنا من إستيلاء الغرب و اسرائيل لمدار الكرة الارضيّة الجوي و انتشار الأقمار الصناعية و في نفس الوقت نجاحهم في تطوير أسلحة فائقة التحدي و العلم ، أعلمتم الان لماذا أطالبكم بالتعليم و الثقافة و الصحة ؟!

هؤلاء أمنك الأساسي و الذي يجب طوعا أو كرها أن تسعى لهم و على أنظمة الدول الحكومية أن تتقدم بنفسها بمشروعات قومية كبرى حقيقية و ليس دعاية و فتوشوب بل واقع يعيشه الشعوب على الارض لمواجهة المخاطر القادمة و التي أحذر منها

و لن اطالبكم باحترام تاريخكم بل ستطالبون باحترام واقعكم

ان لم تنتفضوا بحرب على الارهاب الثقافي و الجهل المتعمد و إغراق الأمة بالأمراض ، غدا سوف يتم احتلال جميع بلادنا و سنصبح عبيدا
للمارقين و عندها لا تبكون على اللبن المسكوب

حفظ الله اوطاننا
بقلم عبير المعداوي
جريدة كاسل جورنال العربية

Rate this item
(4 votes)