بقلم السفير المفكر أ.د. ؛ محمد نعمان جلال


استكمالا لما بدأناه من حديث حول ذكرى ثورة ٣٠ يونيو ، و هنا لا يتسع المجال لكثير من التفاصيل ولكن ما أردت قوله هو تأكيد ثلاث حقائق الاولي ؛

 

أولهما : إن ثورة 30 يونيه هي ثورة شعبية حقيقية ساندتها القوات المسلحة .

أما ثانيهما  : إن دور الجيش المصري عبر تاريخ مصر هو دور سياسي وطني وليس ذلك خروجا علي التاريخ المصري بل إن ما حدث له سوابق في الثورات الامريكية و الروسية و الصينية ناهيك عن الثورة الفرنسية التي نزفت في عهدها الدماءالغزيرة وتصادمت القوي السياسية والعسكرية مع بعضها حتي أمكن لنابليون بونابرت أن يسيطر علي الموقف الداخلي بعد مذابح تلك الثورة التي ينظر لها المؤرخون نظرة إعجاب ورومانسية باعتبارها أم الثورات الحديثة.


و أخيرا ثالثهما  :  إن إنضمام الجيش للشعب هو رمز لوحدة الامة ناهيك عن الوحدة التي برزت في الرموز في يوم الحدث الاكبر بعد الاطاحة بالرئيس غير المنتخب بنزاهة والذي لم يحكم لأن جماعته غير المنتخبة من الشعب هي التي كانت تحكم والتصرفات العديدة غير المواتية التي أساءت لعلاقات مصر مع الدول العربية والافريقية بوجه خاص.


وردا علي مقولة تدخل الجيش نقول إن القوات المسلحة هي التي أنقذت البلاد من الدماء وهي التي تحارب الارهاب وتتقدم الصفوف في الدفاع عن الوطن وتقدم تضحياتها بلا تردد وتحافظ علي الوحدة الوطنية ولعلنا نذكر مشهد التجمع الوطني العظيم والمبهر فور الاطاحة بالنظام الإخواني عندما جلس شيخ الازهر بجوار بابا الكنيسة وبجوارهم رئيس المحكمة الدستورية وقيادات مدنية ممثلة للمجتمع تمثيلا حقيقيا وقرروا النظام السياسي الانتقالي وحقا اضطلع الرئيس منصور بدوره بإمانة ونزاهة وحيادية بامتياز فحق عليه القول أنه نعم الانسان الفاضل . هذا الحشد المدني لمختلف القيادات السياسية والقضائية والدينية والعسكرية والامنية وممثلين للقوي السياسية التي كانت ترفض النظام الاخواني . والدستور الذي ترأس لجنة اعداده الدبلوماسي والسياسي المخضرم عمرو موسي باقتدار ونزاهة وليس مثل دستور الاخوان الذي تم اقراره في الظلام رغم أن رئيس تلك اللجنة كان قاضيا فإنه غلب عضويته في الجماعة علي عمله كقاض ولم يكن محايدا كما كان ينبغي.


باختصار كانت 30 يونيه هي ثورة بمعني الكلمة وفقا للفقه السياسي والقانوني لانها ثورة شعب وانضمت لها القوات المسلحة تأكيدا لدورها في حماية أفراد الشعب وقياداته في أوقات الأزمات.


ولاشك أن الانجازات التي تحققت نتيجة لتلك الثورة يعتز بها كل مصري وفي مقدمتها إعادة اللحمة والتضامن بين عنصري الامة وبين القوي السياسية المختلفة بما في ذلك القوي الحزبية غير المتلونة . وأكد الدستور عدم إنشاء أحزاب باسم الدين وعدم الخلط بين الدين والسياسة وهذا جزء أصيل من تاريخ مصر وثقافة شعبها ففي ثورة 1919 خطب القسس في المساجد وخطب شيوخ الازهر في الكنائس ورفع الشعب الشعار الاثير لقلوب المصريين وهو الدين لله والوطن للجميع.

والواقع أنه ليس هناك مفهوم للحكم باسم الدين ووقد خلط البعض بين فترة الرسول الكريم لانه كان نبيا رسولا وقائدا ومعلما . واقتدي به خلفاؤه ولكن بعد ذلك تحولت الخلافة لملك عضوض في العهد الاموي وسالت الدماء ثم جاء الحكم العباسي بثورة فارسية قادها أبو مسلم الخراساني وسالت فيها دماء كثيرة ولم يدع أي منه أنه إقام نظاماإسلاميا بل أنه إقام دولة في منطقة بها أكثرية مسلمة ولذلك استقطبت الحضارة الاسلامية التراجم والعلوم من مختلف الحضارات وشارك مثقفون من مختلف الديانات في بناء تلك الحضارة عبر العصور. وقد لعب مسيحو المشرق العربي دورا بارزا في الحركة الوطنية وفي مقاومة الاستعمار وأيضا في بعث الفكرة القومية.

وفي مصر تعاون عنصرا الامة نموذج مكرم عبيد وسعد زعلول ثم النحاس معا في العمل الوطني ولم يطرح أي من القيادات السياسية أو الدينية تلك المفاهيم الدخيلة علي الفكر السياسي والتي ظهرت في بعض المراحل التاريخية مثل مفهوم الردة ومفهوم الجزية والتمييز ضد المرأة وضد الاقباط ونحو ذلك ومصر عبر تاريخها لم تعرف مثل هذه الاقاويل كما إن الاسلام كدين لم يميز بين المسلمين وغير المسلمين بل دعا لاحترام وحفظ الكنائس وغيرها من دور العبادات والتاريخ الاسلامي مليء بالروايات الدالة علي ذلك، مثل إصرار بطريرك القدس عندما فتحها المسلمون بان يسلم المفتاح لعمر بن الخطاب لأنه يعرف إحترام الإسلام للأديان الاخري ويؤكد القرآن علي عدم التفريق بين الرسل ومن ثم عدم التفريق بين اتباعهم بل احترامهم كما إحترم عمر بن الخطاب الكنيسة في القدس ورفض أن يصلي داخلها قائلا إنه يخشي أن يأتي المسلمون من بعده فيقولون عمر صلي هناك ويستولون علي الكنيسة.

اين هذه السماحة من تلك الطغمة التي قامت بتدمير العديد من الكنائس في مصر والعراق وسوريا وغيرها وفرقت بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد وقتلت المئات من أبناء الاديان الاخري بتفسيرات مغلوطة وبافكار لا أساس لها وبممارسات وحشية فاساءؤا للاسلام الحنيف بطموحاتهم وبفكرهم المنحرف وفهمهم الفاسد الاسلام .وتحية لثورة 30 يونيه.

لقراءة الجزء الأول من المقال  

السفير المفكر أ د محمد نعمان جلال يكتب ذكرى ثورة ٣٠يونيه

 

Rate this item
(0 votes)