القصة القصيرة

بقلم الروائي القاص العراقي الكبير|عيسى عبد الملك

الحائز على  لقب الاديب العربي الاكثر ابداعا لهذا العام من قبل مجموعة كاسل جورنال

 

 

 

 

قصة قصيرة بعنوان 

أنا ولالا ... وخراب البصرة..

 

المعقد، كان زملائي يسمونني.. كنت أسمعهم واكرس هذا المفهوم في اذهانهم. معزولاً في الصف كنت، لا احد يشاركني مقعد الدراسة ، صديقي الوحيد مجنون يتحاشاه الناس، يبتسم حينما يراني ويهدأ.  في بداية شارع الارمن، يجلس دائماً... أتوقف عنده قليلاً، يدعوني الى أن أشاركه طعامه، طعام مجاني من حاوية القمامة، اعتذر بلطف، ابتسم وأودع صاحبي المجنون وأمشي.. لم أكن معقداً، كما يقولون، أذ كنت استمتع بمعزل عن الناس.. اكتشفت شارعاً لا يشبه شوارع البصرة!. اتسلك إليه كل يوم، يوصلني طريق ترابي، بين بيتنا وشارع الارمن، منه، أدخل شارعي الذي اكتشفته، شارع الضباط. موظفي الموانئ الانكليز!، كشوارع لندن، مصمم الشارعُ، هكذا تقول الناس، شارع مظلل ينام في الهدوء والورد، يغسل كل يوم، تأوي اليه  الطيور والعصافير الصغيرة، منوع الأشجار والفواكه، لا أحد يجرؤ على المرور به، شارع لندني جميل ، غير بعيد عن بيوت المعقل المتعبة وصرائفها المنخورة وأزقتها المغبرة، مرتع البعوض والذباب وفضلات الناس والحيوانات، يقع شارع الضباط.. أما شارع الأرمن فقد حاول سكانه أن يجعلوه شارعاً! في أيام الآحاد.. تجلس نساء الضباط في الحدائق، حدائق البيوت الفارهة شبه عاريات، يتمدن بكسل، يدهن أجسادهن الطرية، يعرضنها لشمس البصرة، الشمس التي فحمت وجوهنا، أما معهن مع نساء الانكليز فالأمر مختلف!.. يوم الأحد، تكثر غيابات الطلاب، يوم الاثنين، يهدأ صراخ المدير بعد عقاب الغائبين.. في بداية الشارع، بيت كبير، حديقته مزدانة  بالورود من كل الألوان.. لم يكن البيت مكتظاً كبيوتنا الصغيرة الفقيرة.. بعناية، نسقت الحديقة...

عصر يوم، لاحظت عجوزاً، تجلس في الحديقة، تحيطها الورود، كرسيها في الوسط، وحولها اتخذت الورود، شكل دائرة، كان الشارع كالعادة خاليا . وقفت. رحت أتأمل العجوز.. كانت تستمتع.. لفت انتباهها.. أشارت إلى خادمة قربها .. هرولت الخادمة نحوي.

- ماذا تريدُ؟ .  كانت الخادمة هندية، لكنتها متعثرة.

– أريد وردةً.

- أي نوع من الورود؟.

- وردة جوري. أسرعت إلى العجوز من جديد، عادت وبيدها باقة ورد، قدمتها باسمة، وغمزت بعينها.. اخذت وردةً واحدةً لا اكثر، وكانت جورية.. عادت الخادمة مسرعة، وقفت قرب العجوز.. انحنيت.. حييت العجوز عن بعد وسرت في طريق الضباط..

منذ ذلك اليوم اعتدت هذا الطريق، كما أعتاد رؤيتي حراسه المتعبون، ولم يعودوا يمنعوني.. هكذا تبدأ رحلتي.. أقف عند باب حديقة العجوز. أراها على كرسيها وسط دائرة الورود، تراني الخادمة، تهرول نحوي تنحني تحييني باسمة، تناولني وردة جوري، وردة واحدة لا أكثر، تغمزني بعينها وتعود مسرعة.. أشم الوردة، أنحني تحية للعجوز، ترفع يدها، ترد التحية، فانصرف، أسير في طريق الضباط.. انحرف نحو محطة القطار، أدخلها، لا لتوديع أحد، بل لأرى لحظات الوداع. وحينما يغادر القطار، أعود للبيت مهموماً، وفي الليل أنسل من جسدي، أتركه على السرير الحديدي وأرحل..

في شارع الضباط هذا، كنت ألتقي بها، عند نفس النقطة، في منتصف الشارع، في السادسة عصراً، كما تلتقي القطارات نلتقي.. تمر بي، تدفع عربة فيها طفل، نلتقي، لا ترفع بصرها، تجتازني، كنسمة، يغمرني عطرها، أفتح كل نوافذي، ألتفت، أدفع يدي للطفل، ينظر الطفل إلى يدي، إلى وردة الجوري، يلوح لي بوردة جوري مثلها، ابتسم يبتسم الطفل، تختفي، يعلق شيء من عطرها في ملابسي، وينتهي كل شيء.

فقط عندما تتقاطع الطرق، أسمعها تلفظ كلمة لا أعرفها، كلمة واحدة لا غير.. وما أن تجتازني حتى ألتفت. أرى جدليتها الشقراء تتأرجح على ظهرها.. اي انكليزية هذه، ما أشد احمرار وجنتها، ما أهدأها، ما اصعبها، ترى هل تراني، فتاة كهذه كيف تخترق. مرَّ عام، كنت كبندول الساعة..

ذات يوم وقف ببابي نعيم ، كان أكثر تعقيداً مني وكنت لا أميل إليه.. أصَرَّ على أن يصحبني في جولتي، بخبث حاولت التخلص منه، فلم أفاح. تبعني، ظلَّ يسير خلفي، فتباطأت حتى لحق بي.. لم أدلف على شارع الضباط، سرت في خط مستقيم باتجاه شارع الأرمن..

غير بعيد، برزت أمامي، هي والعربة والطفل وثلاث فتيات، يسرن نحونا عيونهن مصوبة علينا، كان الشارع خالياً، إلا منهن ومنا.. سحبتُ رفيقي إلى الجهة الثانية. غيرت وجهة العربة وعبرت هي أيضاً، وعبرت رفيقاتها... ضاقت المسافة بيننا، تخلفت قليلاً عن رفيقاتها، انحنت، لعلها التقطت شيئاً وقع منها، لم أسحب رفيقي، هذه المرة، بل عبرت مسرعاً وتبعني هو أيضاً، كلانا لا يفهم ما يدور ومثلما فعلتُ،  فعلتْ هي ، تبعنها، تلاشت المسافة بيننا، صرنا وجهاً لوجه، ولأول مرة رأيت عينيها، عينان زرقاوان، لكن غضب عارم أفقدها البريق.. اصفَّر لوني، وجه صاحبي صار بلا لون.. خائفاً كنت، إعصاراً مفاجئاً صارت.. سحبتُ صاحبي لأهرب، لأعبر إلى الجهة الأخرى، لكن صاحبي كان قد جمدَ.. انفجرت الفتيات ضاحكات، انفلتت من بينهن وغرزت عينيها في وجهي.. ضاق الشارع بي.. سدت عليّ منافذه، ورفعت يدها، نبتت صخرة في وجهي، جمدت الفتيات وهربَ صاحبي وهو يشتمني، أما هي، فكما تهدأ العاصفة هدأت تنهدت بعمق، كمن أراح حملاً ثقيلاً عنه وسارت بصمت مطرقة، لوح الطفل لي بيده، ثم بالوردة، وردة الجوري.. وقفت كالأبله.. وردتي خضبها الدم. كَلِمتُها التي لا أعرف معناها ترَّن في أذني...

كان ذلك منذ زمن.. ابتعدت، رأيت شوارع ومدناً ووجوهاً.. نسيت شارع الأرمن والضباط وعصر انبثاق الدم من جبهتي..

عصر يوم، في السادسة، خفق قلبي، ضغط علي،

- أخذت عصاي ورغم منع التجوال خرجت.. دخلت شارع الضباط... اجتازني رتل دبابات بريطاني، خرب الشارع والرصيف وبعض ما بقي من ورود.. وقفت أمام الباب.. من بعيد، لمحتني الخادمة الهندية، جاءت الي . لم تكن مسرعة هذه المرة، عرفتني ورسم وجهها معان عدة، حيتني  بانحناءة لقد كانت هرمة، هرمة مثلي تماماً، رجعت، بعد قليل عادت وبيدها وردة جوري.. أرادت ان تبكي، لكنها لم تجد دموعاً ولا أنا. سألتها عن العجوز.. إذ كان الكرسي فارغاً. ((ماتت منذ زمن)) أجابتني. ((أريد ان أزور قبرها)) رفعت رأسها وقالت بأسى ((غداً صباحاً، أنه يوم أحد)).

دخلنا المقبرة صامتين، أنا ولالا الهندية، ذلك كان اسمها.. عند القبر، وقفت لالا، وقفت قبالتها، صار القبر بيننا.. أنا انظر إلى القبر، وردة الجوري بيدي، لالا تنظر ساعتها، عيناها على باب المقبرة، تنتظر شخصاً ما.. وجاء الشخص الذي تنتظره لالا.. لم يكن رجلاً، كما خمنت.. كانت راهبة، يلفها سواد.. هادئة يحفها وقار السنين، في عينيها حزن زمن بعيد، ليس كأحزان اليوم.. مطرقة تمشي.. حالمة تمشي.. وقفت عند القبر، قابلتني، نظرت إلى لالا، لالا نظرت إليّ.. انحنت لالا وعادت إلى وقفتها. بعد أن قالت شيئاً دون كلمات احتوتني الراهبة بنظرة واحدة، احتوت الوجه والأخاديد وفروة الرأس البيضاء وعرفتُ زرقة العينين لكن حروقاً في الوجه أذهلتني حروق قوية وكانت بيدها وردة جوري.. انحنت على القبر بصمت عند الرأس، وبجانب وردتها، وضعت وردتي.. ألتقت الوردتان، ألتقت النظرات، التقت البدان، سرت رجفة في اليدين، حدقت في، حدقتُ فيها، لم أرى دموعاً لكني أدركت حجم الألم. ودون كلمات تحدثنا.. انتبهتْ كالملسوع. سحبت يدها وانسحبت ببطء و.. سمعت الكلمة،

- لالا، كانت ترقب المشهد، بكت لالا.. وجدت دموعاً فسكبتها ،  ليس على الميتة بكت لالا.. بل ربما علينا .!

– ما العلاقة يا لالا؟

- إنها جدتها.

- وماذا قالت يا لالا ؟ دمدمت بشيء ، ليتني عرفت معنى  الكلمة ؟

- بعد خراب البصرة، يا عجوز، ذلك ما قالته. عرفت أن لالا، تكذب.

ونحن عائدين، أنا ولالا الهندية وقبل أن نفترق وقفت لالا وقالت بازدراء. لقد خذلتها، أنت خيبة أمل كبيرة، أنت لا تستحق حتى وردة الجوري، ألا تعرف كيف تحب يا حجر . لقد كادت ان تقتل نفسها ذات يوم بسببك .. انصرفت لالا الهندية باكية وبقيت لا ادري ما اقول ..

- كل هذه السنين ولم تعرف معنى الكلمة؟ سألني واغيناك وهو يمسح شاربه الكث..

– أبداً.

- معناها، غبي! بالأرمنية غبي، هل عرفت الآن.

- عرفت، ولكن بعد خراب البصرة يا واغيك.

 

 

بقلم الروائي القاص العراقي الكبير ؛عيسى عبد الملك 


الحزنُ على طريقة وردة
عيسى عبد الملك
تَوَقَّفَ الباصُ المتعبُ، ولمْ يَعُدْ هيكلُهُ الخشبيَّ يَرْتَجفُ، أَنَّ قليلاً وخمَدَتْ ماكنتُهُ القديمةُ.. فَتَحَ السائقُ البابَ على عجل ونَفَضَ عنْ ملابسِهِ التُرابَ، وصلْنا، قالها وأسرَعَ الخطى، لَفَّهُ زقاقٌ ضيِّقٌ .الغروبُ زحَفَ على القريةِ كلها. غروبٌ كئيبٌ مقبضٌ، بَدا لي أنّ القريةَ تخشاه، وأنَّ رعباً ما سيجتاحُها أو أن كارثةٌ على وَشكِ أنْ تقعَ.


في الباصِ كنت الراكبَ الوحيد، لمْ يمهلني السائقُ لأُسْأَلَهُ.. فوقَفْتُ أنظر الناسَ والناسُ يركضون، يُلملمُ الباعةُ حاجياتِهم، يُغلِقُ أَصحابُ الدكاكين أبوابَها، يَرْكُضون، يختفون في الأزقةِ الضيقة، وجوهُ الناسِ صُفْرٌ، أجسادُهم نحيفةٌ، نساؤهم فَقَدَتْ عيونهن البريقَ، حُفَرٌ تدورُ في محاجِرِها كراتٌ، لا لون لها. بيوتَ الطين كهوف، وبيوت القصب خاوية، هل أكون قد علقتُ، حاصرني المغيب، طريقًُ العودة أُغْلِقَ، طريقُ الذهابِ لا أَعْرِفُهُ، أَحْسَسَت أني مُنفَلِتٌ.. رأيتُ عجوزاً يَسْتَنِهضُ هِمَّتَه ليركضَ، ركضتُ، لحقتُ به، فألتفتَ، رَفَعَ يَدَهُ بوجهي وفتح فاه، سَيّلٌ من الآياتِ الراجمة تَدَّفَقَ بوجهي، فوقَفْتُ مشدوهاً، كانَ يَرتَجِفُ، يَنظرُ يمنةً ويسرةً، لا أحدَ في الطريق سِوانا. أقسمَ عليَّ أنْ أُعطيَهُ الأمانَ أعطيتُهُ الأمانَ، أقْسَمَ عليّ أَنْ أستديرَ، اسْتَدرْتُ، ولمّا التفَتُ لم أجدْه، سَمِعْتُ صوت باب قريبٍ. طَرَقْتُ البابَ، فخمدَتْ الأصواتُ بالداخِل، لَبَثْتُ قليلاً وأصْغَيت السمعَ، ((رجمته بالآيات})


كان صوتُ الشيخ.. لكنهم لا يأتون الآن، قالَ أَحدُهم.. ثم صَمَت الجميع، إذ تَلَصَصَ أحدُهم عِبْرَ البابِ. بقيتُ واقفاً، الهياكل العظمية التي مًرَّتْ مسرعَةً، دَخَلتْ البيوتَ، وأَحْكَمَتْ إغلاق أبوابِها.. بدت القرية غامضةً، ساد صمتٌ مطبق، كصمتِ مقبرة.. فتحرك في أعماقي حنينٌ غريبٌ، حنينٌ إلى نباح كلب، ثغاء خروف، أو صياح ديك.. خفْتُ، اتجهت نحو دكانٍ مُغْلَقٍ، ووضعتُ حقيبتي فوق مقدمته الحديدية البارزة، تَرَكتُ رجليَّ تدليان، فأرحتهما. أَحسستُ بالحزنِ والحيرةَ والجوعِ.. من بعيد، رأيتُ شرطياً يقتربُ، أفرحني ظهوره.. اقتربَ الشرطي، وابتسم، حياني، نهضتُ، ومددتُ يدي مصافحاً.. قرأ كتاب تعييني.. فهزَّ رأسه بحزن وقالَ مازحاً: هلْ ارتكبت ذنوباً كبيرة؟، وحينما سألته كيف أصِلُ قال: سَتَصِلُ، وطلبَ مني أن أصحبه إلى مركز الشرطة، كان ودودا، ريفياً أكثر منه شرطيا، حياني عريف المركز.


((غدا صباحاً، سنجدُ من يوصلك، فأهل القرية يأتون لبيع ما ينتجون ، أما الليلة، فأنتَ ضيْفنا)). لم يجبني أحدُ عن أسئلتي.. أعجبني سكون الليل، وأعجبتني أكثر كثرة النجوم، لم أر سماء بمثل هذا الاتساع والصفاء والروعة! دفء استقبال الشرطة، هدأ روعي، في الصباح، ودعني عريفُ المركز والشرطة.. عند حافة الشط وقفوا. تحيَّرتُ في كيفية الجلوس في زورق كهذا، كان صغيراً جداً، طلي بالقار وحصيرة قصب مبتلةٌ فراشه.. ترددت كثيرا وأنا أنظر إليه.. فسارعَ الشرطي لحسم الموقف.. سَحَبَ الزورقَ بيدٍ واحدة، أسْتَلَّهُ من الماء، فاستقرَّ على اليابسة.


- أجلسْ، وشجعني.. ستتعلم وستعتاد، هيّا، تشَجَّعْ، لا تخجلنا أمام البنت، وأشارَ إلى فتاة، كانت تستندُ إلى قصبة طويلة، ترقب المشهد، وكان المشهد مضحكاً، كانت تبتسم. وهي تلف عباءة سوداء حول وسطها.


جلستُ وراح الشرطة يدفعون الزورقَ ببطءٍ نحو الماءِ. أردتُ أن أقفزَ منه، بَعدَ أن رأيت مقدمته تختفي في الماء، لكنَّ الفتاة لم تمهلني، قَفَزَتْ بخفة إلى الزورق، فأنساب كأنَّ يداً سحرية تسحبه تعَلَّقت يداي بحافتيه، لامَسَتْ أصابعي الماءَ.. تخشبت،.كلما مالَ الزورقُ، بادَرَتْ إلى موازنتهِ بمهارةٍ، بَعَدَ قليلٍ، صِرْتُ والفتاة والزورق في رحلة المجهول..
راحتْ تدفعُ الماءَ بالعصا الطويلة، وراحتَ العصا تتلوى مع حركات جسمها اللدن... لم تكنْ جاوزت العشرين... ممشوقة.. كانت تحدثني.. فأجيبها باختصار دون أن ألتفت، عيناي مثبتتان في الممر الضِّيقِ والزورق ينسابُ، بين صفين من البردي والقصب، ينحني بعضه تحت الزورق، ثم ينتصبَ من جديد.. قصبُ عالٍ متشابكٌ، تطيرُ فوقَهُ، من حين لآخر أسرابٌ من الطيورِ تَحفّ نهاياتِه ثم تختفي.. أسكرني ما رأيتُ.. وابتعدْنا، راح الزورق يتوغل أكثر فأكثر في أعماق الهور.. كنتُ صامتاً، أسمعُ صوتَ تنفسها يتناغمُ وارتطام العمود بالماء و .. فجأة صَدَحَتْ تغني.. كان صوتها شجياً، رخيماً.. كلماتُ الأغنية، مباشرة، جريئة، تخاطب الحبيب، تشكو حنين أضلاعها في ليلة باردة وتدعوه للعناق. صوتها، زرقة مياه الهور، خضرة القصب والبردي، أسرابُ الطيور أيّ قدر ساقها لي، أيَّ جروحُ قديمةٍ نائمةٍ أَيقَظَتْ.. تحركتُ، أردتُ أن ألتفت إليها، لكني لمْ أجرُؤْ، رحتُ استَحضِرُها في ذهني.
- مَدِّدْ رجليك، قالتْ لي، لا تَخَفْ.


مَدَّدْتُ رجليّ، أحسست بالراحةِ..
أدركتْ ما أُريدُ، فأوقَفَتْ الزورقَ..
- تستطِعُ أن تُغَيِّرَ جلسَتَك، قابلني، تَحَرَّكْ ببطء وأنتَ جالسٌ
راحتْ تُشجعُني وَرُحْتُ أتحرَّكُ ببطء وحذر، فلمْ أُفلحْ، وكدنا ننقلبُ لكنها بمهارةٍ وخِفَّةٍ أعادتْ للزورقِ توازَنَهُ.. بَعَدَ قليلٍ توقَّفتْ عندَ نتوء أرضي بين المياه، تكاثفَ فيه القصب والبردي وتشابك.
- انزلْ بحذر، وأركبْ من جديد، واجهني.
وركبتْ من جديد وواجهتُها.. ابتسمتْ بارتياح.
- ((هكذا أحسن))
- ((فعلاً أحسن)) أجبتْ متنهداً بارتياح، ورأيتها بوضوح أحسن.. كانت تشعُ شباباً، خداها ورديان، زادَ من احمرارها شعاعُ الشمسِ المنعكسِ فوقها، قطراتٌ من العرقِ تسيلُ فوق جبينها العريض، خصلاتُ شعر تحتضن الوجه، جديلتان شقراوان تنحدران نحو الأسفل، تدخلان من فتحة عند الصدر. عيناها خضراوان بلون القصب والبردي، صفاؤها بلون زرقة مياه الهور، أما فمها فكان صغيراً، أبرزُ ما فيه احمرارُ شفتيها الممتلئتين، أيّ جسم رائع تخفيه هذه الملابسُ المتواضعة.
- ((أيعجبك غناؤنا))
- ((جداً))
- ((انتم في المدينة لا تحبون غناءنا)).
- ((أنا أحبُّهُ، فأنا أيضاً من أصول ريفية)).
- ولكنّ المدينةَ أَنْسَتْكَ كيفَ تجلسُ في ((مشحوف)) علقَّتْ.
ثلاث ساعات متواصلة، لم تتوقَفُ عن الدفع، كما أنها لم تتوقفْ عن الغناءِ، والحديثِ وطرح الأسئلة..
• لم أضجْر، بل أعجبتني لثغةٌ في صوتِها وجرأةٌ في كلامِها وثقةٌ بنفسها
- متزوج؟
- كلا!
- لماذا؟
- لم أطرح على نفسي هذا السؤال. فلم تتح لي المنافي مجالاً لسؤال.
- وأنتِ؟
- لم أجد من أريد، أجابتني ضاحكة وأردفت، بم تفكِّرُ؟
- برسمِكِ، أفكِّرُ أنْ أرسمك: وأنتِ بم تفكرين؟


- أفكِّرُ أَنْ أُغرِقَكَ، ضحكتُ وقلتُ تكذبين.. ضحكتْ وراحَ جسمها اللدن يتلوى كخيزران. ملابِسُها ملتصقةٌ بجسمها تلتف حوله، تدور حول نفسها نصفَ استدارة، تدفع الماءَ بالعصا، فتبرز كلُّ تقاطيعه وحينما تنحني، تبرزُ مؤخرتُها، ترتفع ملابِسُها عند كلِّ حركةٍ فتكشفَ عن ساقين متناسقين مع جسمها الذي تناسقَتْ تقاطيعه، كما لو شذبتها يدُ فنّانٍ ماهر..
- أّنتَ وَقِحُ النظراتِ، سأقِفُ لأجعلك تُغيُّر جلستك، بلْ واعصب عينيك، إنْ اضطررت..
- وأنتِ جريئةً، ألا تخافين وأنتِ مع غريبٍ في هذا الهور الموحِش؟
- وماذا تستطيعُ أن تفعلَ، وأنتَ مُسَّمرٌ كلوح، غيرَ أنْ تنظر وتتكلم؟
ثم أنَّ هذا الهور عميقٌ، عميقٌ جداً وأردَفَتْ وأنت لا تعرف العوم ولا تحملُ سلاحاً!
وعادتْ تغني من جديد، وعدتُ استمعُ والزورقُ ينسابُ بين حفيفِ القصبِ والبرديّ. عندها أدركت إني مازلت حيّاً فتعريت عن همومي.
- تلك هي قَريتُنا، أترى نخيلها؟
- صدقيني، تمنيت، لو أنّا لم نصلْ.
- لكنا وصلنا.
- ما اسمكِ، قبلَ أن نفترقَ؟
- وردة.
- شكراً يا وردة شكراً.. أسعدتني كثيراً..
قادني صبيٌّ صغيرٌ، راحَ يركضُ أمامي، حاملاً حقيبتي باتجاه مدرسة القرية، بينما راحتْ نسوة في القريةِ وأطفال وبعضُ الشيوخ ينظرون إليّ ويحييني بعضهم.
في الليل، حكيت لزملائي الذين التفوا حولي، عن رحلتي.. لم أنس شرطة المركز والعريف ولم أنسَ وردة.
ذمَّ أحدُهم وردة، مَدَحَها آخرٌ، أمّا الثالث فقد لزم الصمتَ.
- إذاً تعرفونها؟
- وَمَنْ لا يعرفُها! عَقَّبَ أحدُهم..
عند النوم، كنتُ أفكر فيها.. صوتها العذب، خضرة عينيها، شقرة شعرها قوامها الممشوق وكلام الزملاء عنها.. أَرِقْتُ، ومع ذلك، هوَّنَ علي ذكرها وحشة أول ليلةٍ... المدرسة بضعة أكواخ قصبية. كذلك بيوت القرية.كل شيء كئيب مضجر.


بَعدَ بضعة أيام، اشتريتُ قارباً صغيراً، كقارب وردة. ثم تعلَّمتُ التجديف جالساً وبعده الدفع واقفاً، وصرتُ أقفزُ من الزورق وإليه بخفة حتى قبل أن يستقرَّ قربَ حافة المياه.
- أستاذ، أختي تسلم عليك، همس لي صباح يوم تلميٌذ صغير أشقر الشعر، أخضر العينين.
- مَنْ أختك؟
- وردة.
- بلغها سلامي!..
حينما سألت أبا جميل عن التلّ الأحمرـ وأين يقع، اعترته دهشة وسألني مستغرباً.
- لماذا؟
مجرد سؤال يا أبا جميل، لأني أسمع عنه الكثير ولم أرَه.
- من الخير ألاَ تراه وأحذّرُك، فهو منحوس ومسكون، تظهرُ فيه الأشباح، وأردف أبو جميل، كثيرا ما فقد بعضُ الناس عقولهم هناك..ً
- ماذا تقول يا أبا جميل؟ أتصدِّقُ؟..
أبو جميل هذا الشيخ الطاعن في السِّن، هو فراش المدرسة وحارسها ومتعهدها وحوله تدور حكايات غريبة.
- وهَلْ كل الناس يكذبون؟ ردَّ أبو جميل مستنكراً..
- ومتى تظهر الأشباحُ، يا أبا جميل؟.
- عند الغروب وحتى الفجر..


سكتُّ... ترى لماذا طلبت مني وردة أن انتظرها بعد العشاء عند التَلِّ الأحمر؟.. قررت أن أذهب، تفجرَّ في أعماقي حنين لم أعهده لرؤية وردة!..
بعد العشاء، أخذت مجدافي ، تسللت إلى حيث ربطت زورقي الصغير ورحت أجِدف بهدوءٍ نحو التلِّ الأحمر.. بعد ساعةٍ برز لي التل منتصباً وسط الماء بين ارتفاعات شاهقة لغابةٍ من القصب والبردي، تشابكت أصوله والفروع، وتشعب المسلك المائي الذي سلكته إلى مسارين يحيطان بالتلِّ... نزلت، ربطت الزورق بعمود القصب، ركزت العمود في الطين والوحل والبردي، وبقوة ربطت الزورق إليه.. رحت أصعدُ التلَّ الغارق في سكون ليل الهور وهدوئه.. من آن لآخر، أسمع نباح كلبٍ مستفَزٍ آت من بعيد، من قرية ما مزروعة بين القصب والبردي.. استأنست بنباح الكلب الآتي من بعيد وأنا أصعدُ التل بحذر.. من بعيد لاحت أضواء القرية، تبعتها فوانيسها المتعبة.. كان التلَّ أجردا موحشاً.. نظرتُ إلى ساعتي.. لم أستطع معرفة الوقت فجأة سمعتُ صوت ارتطام جسم ثقيل بالماء، تطاير رشاش الماء عالياً.. حاولت أن اعرف مصدر الصوت فلم أفلح.. جلستُ.. من أين ستأتي وردة؟ وكيف؟ لقد تصرفتُ بغباءٍ، قلتُ في نفسي.. كانَت السماءُ صافية، متلألئة النجوم والقمر مشرق على هذه الامتدادات المائية.. حفني طائر كادَ أَنْ يصطَدِمَ بي، ثم حلّق عالياً، دارَ دورةً وغيبته نهايات القصبِ والبردي.. وفجأةً سَمِعْتُ ما يشبه صوتَ وردة آتيا من بعيد، ينقطع أحياناً ويتصل أحياناً، ورويدا رويدا، أخذ الصوت يبدو أكثر وضوحاً. أنه صوتُ وردة الذي أعرفه... انتصبتُ، أردتُ أن أصيح، أناديها، أُسْرِعُ إليها، ألاقيها، أحضنها.. خفق قلبي واضطرب.. كان الصوت يقترب ويزداد وضوحاً، حتى مَيزَتُ كلمات الأغنية، أنها اختارتها للمناسبة، لي أنا.. قفز قلبي، فرَّ، حلَّق فوق القصب والبردي... سرت نحو زورقي نزلت من التل مسرعاً، وقعت، تعثرت بحفرة، نهضت مسرعاً حيث ربطت زورقي، إلاّ ان الصوت راح يبتعد... حاولت أن أعرفَ اتجاهه ففشلت.. فككت حبل الزورق ورحت أجدف باتجاه القرية بحزن وحيرة.. جدفت ساعة، ساعتين، لكن القرية بدت وكأنها اختفت من الوجود... تعبت، توقفت عن التجديف ورحت استطلع الطريق، لم أر شيئاً. إذ سدت عليّ غابة القصب والبردي مجالَ الرؤية ومداها. المسلك المائي هو بوصلتي الوحيدة، والمسلك المائي أوصلني إلى التل بساعة، وها أنا أمضي ثلاث ساعات ولم أصل لابدّ أني أخطأت الطريق... لم لا أعود إلى التل وأحدد اتجاهي من جديد؟ أهتدي بأضواء فوانيس القرية؟ عدتُ إلى التل، صعدته، وقفت، رسمت خطاً مستقيماً وهمياً بين القرية والتل، من بعيد لاح لي ضوء فانوس يتحرك، ما لبث أن صار أثنين وثلاث وعشرة ثم صارت عشرات الفوانيس، تتحركُ باتجاهات مختلفة، لكنها كانت بعيدة جداً.. سرتُ والخط الوهمي الواصل بين القرية والتلِّ وجدفت، جدفت حتى أنهكني التعب، لم أعدْ أقوى على رفع المجداف وتحريكه.. ما العمل؟... وذكرتُ وردة.. هل ضحكتْ عليّ؟ لكنها جاءتْ... لم تجدني هي الأخرى، ربما كان غناؤها إشارة لقد كان الصوتُ صوتها.. اعرفه جيدا... ساورني الشك.. ذلك الزميل الذَّي ذَمَّها، هل مارست معه نفس اللعبة؟ معهم كلهم؟، ضحكتْ على الجميع قبلي، حتى جئتُ وجاءَ دوري؟ والتَلُّ وما قاله أبو جميل، أيمكن ان يكون ما قاله عن فقدان بعضهم عقله، صحيحاً؟ أمْ أني مضطرب حديث عهد بمسالك الهور المائية؟.. ثم خطرت لي فكرة.. لماذا لا أنام في الزورق؟..
لففت حبل الزورق حول حزمة من القصب، وربطته بقوة وإحكام.. تمددتُ في الزورق.. وضعت يدي تحت رأسي، وسرعان ما غفوتُ..
- أصحيحُ أنك تذهبُ كلَّ ليلة إلى التلِّ الأحمر، تلعبُ مع الأشباح وتسهر؟
سألني تلميذ صغير ذات يوم
- من قال هذا؟
- كلُّ القرية، تتحدث عن ذلك، ويقولون أنك في آخر الليل، تنامُ في الزورق، وتوصلك الأشباح حتى مشارف القرية.
- عمري ثمانون عاماً، ولدتُ في هذه القرية ولم أسمع، بأغرب مما أسمع الآن، تترك القرية ومجالسها، وتسهر مع الأشباح؟ قال لي أبو جميل ذات يوم أيضاً.
- وماذا يقولون أيضاً، يا عم؟
- تبعك أحدهم مرة، غرق زورقه، ولولا العناية، لمات.. طاردته الأشباح حتى مشارف القرية وقد رآها تستقبلك وراح أبو جميل يضيف.. آخرٌ.. رآك عند الفجر، نائماً في زورقك قرب التلِّ، والأشباح تحرسكَ..
ضحكت وردة حدَّ الإغماء عندما حدثتها تلك الليلة، عند التلِّ الأحمر، عن حكايات أهل القرية..
- ما عندي أكثر واغربُ، قالت.. كان رأسها يستند إلى صدري، ويدها تعبث بشعري برقة، لقد سرق أحدهم زورقك، لكنه أعاده بعد أن وقف الزورق منتصباً، يقول أنه رأى، بأمِّ عينيه للزورق ذقناً ولساناً وذراعين! ضحكتُ، ضحكتْ وردة ثم ضحكنا معاً..
- وما قصة الأشباح، يا وردة؟
- نحن أناس دمرتنا الحرب، يا عزيزي.. سلبت منا البهجة والأمان.. وهذه ليست أشباحاً.. أنها أرواح الذين قتلوا، من أهلي وعشيرتي سكنت التلَّ الأحمر، حيث مقابرهم، إلا أنهم لا يسكنون المقابر، اعتادت أرواحهم أن تعيش بين القصب والبردي، قريبة من القرية حيث الأطفال والنساء ومن أحبوا، واستطردت وردة.. كان صفر الوجوه الذين رأيتهم أو مررت بهم، يذكون نار اقتتالنا باعونا سلاحاً وعتادا وأطعمة فاسدة، بفاحش الأسعار، أشاعوا بيننا أخبارا كاذبة، اندسوا بيننا، ضللَّونا وأثروا من ذلك كثيرا..
شَقّتْ عجوز جيبها، عند مغيب شمس يوم، وسقطت ميتة عند الصلاة... ومنذ ذلك اليوم، وصفر الوجوه، يفتك بهم مرض غريب.. وعند المغيب، مازالت وردة تتحدث، عند المغيب تطوف أرواح من قتلوا في الطرقات، طرقات المدينة تدق الأبواب... كل روح تعرف مصدر السلاح الذي قتلت به، ويسارع صفر الوجوه إلى إغلاق أبوابهم، قبل مغيب الشمس خائفين، فتغدوا المدينةُ، مدينةَ أشباح وموتى فيها يطوفون.
- وردة! سمعتك ذات ليلة تغنين عند التلِّ الأحمر، عرفتُ الصوتَ لكنه اختفى.
- نحن أناس نحب الماء والهواء والقصب والبردي والغناء، نصنع من القصب مزامير، شبابنا، صغارنا ، يجيدون الغناء ويعشقونه.. في قريتنا لا تجد من لا يجيد الغناء، حتى سرق ذوو الوجوه الصفر بهجتنا،.. في ليال معينة.. أذهبُ إلى هناك أُسْمِعُهم ما يحبون من غناء، أبددُ عنهم وحشةَ ليلِ التلِّ القابع في السكونِ.. فقد مَلّوا نواحَ الشيوخِ والعجائز والنساء.. ثم أردفتْ أرجوك، غنّ لهم، من أجلهم، إذا ما مررتَ بهذا التلِّ.. غنِّ بطريقتك، بلحنك.. ثم .. نَهَضَتْ وردةُ بحزنٍ، واتجهَتْ إلى حيث أَخْفَتْ زورقها بين القصب والبردي، وبعد قليل، تناهى إليّ صوتها، رقيقاً، شجيّا، مؤثراً وراحَ الصوتُ يتضاءَلُ حتى لم أعدْ أسمع غير خفقان قلبي الذي كان يّدُقُّ بحزن وخشوعٍ وهو يتبعها..

بقلم عيسى عبد الملك -العراق

 

خصلات ملونة
قصة قصيرة
بقلم :عبير المعداوي


بيني و بين المرآة حديث قالت اشتقت أن أقراء لك شيء مختلف
نظرت لساعتي وجدت أن الحياة بِنَا تقدمت و عبتُ على الرحيل باكراً
لكنها تركت زهرة جافة تحطمت عروشها و مع هذا تفخر ببقايا رحيقها!
حينها ابتسمت للمرآة و دعوتها أن تسجل
ما قد تبقى لنا من خصلات ملونة.

تمت
عبير المعداوي

 

 بقلم الروائي و القاص الكبير |طنطاوي عبدالحميد طنطاوي 

  القصة القصيرة  مطلوب أفضل جحش

-------------------

  • 1 –

ضوضاء غريبة ... صياح أطفال ... مناد صوته يفوق الجميع قوة ، ينتهي من النداء فيعم الصمت الجميع ، يتسمر الأهالي في أماكنهم ، أمام المنازل ، فوق المصاطب ، يطلبون من الصبية أن يصمتوا حتي يتأكدوا مما تسمع آذانهم ، يعود المنادي من جديد :

( يا خلق يا هووه ... الصاحيين يبلغوا النايمين ....حمارة العمدة طالبة العشار ... والجحش اللي هتقع عليه العين ، صاحبه هيقبض عشر تلاف جنيه بالكمال والتمام !!!! الحاضر يبلغ الغايب ، يا خلق يا هووه ....)

النداء يتردد ، العيون لا تصدق ، تلتمس المعونة في عيون الآخرين ، تتقابل ، تتساءل في صمت ، يعود المنادي من جديد ليؤكد حقيقة الجائزة الكبري ... الكلاب صامتة وكأنها تنعي حظها ..!!! متي يجيئ الدور عليها ... ؟؟؟

                                 -2 –

حُدد الموعد ، بعد شهر كامل من تاريخ الإعلان ، استراحت ذكور الحمير من عناء العمل الشاق ، أكلت ما تشتهي ، ما حُرمت منه منذ ولادتها ، لم يتوقف الأمر علي الطعام فحسب ، كثيرون من أصحاب الحمير ذهبوا خلسة إلي الشيخ عبدالباسط ليصنع لهم تمائم وتعاويذ تقي حميرهم الحسد , أمام هباتهم التي قدموها له صنع الأحجبة للحمير وهو يلعنهم ، غير أنه ما لبث أن صنع تعويذة حقيقية لحماره ، ليقوق الجميع ، و يحظي بشرف الانتساب لزريبة العمدة ، فلم يركبه ، ولم يرهقه في ترحال ، وأكثر له من العلف والفول والشعير .

                                - 3 –

طوال الليل ... ونهيق الحمير لا ينقطع ! ضجيج لم تألفه البلدة من قبل ، استردت الحمير عافيتها ، لم تعد تتمرغ في التراب ، بل سحبها أصحابها قسرا إلي الترعة ، وغسلوها بالصابون أبو ريحة! تقبل الناس حمل أمتعتهم وأطفالهم بكل سرور ليريحوا حميرهم ، ازداد دلال الحمير ، أصبحت تمتنع عن أي طعام يُقدم إليها إلا ما تشتهي ، تمردت علي وضعها المألوف فصارت تضرب بخلفيتها وتثور وتعض ، تعتدي علي الحيوانات الأليفة الأخري ، وأصحابها يتحملونها ، فالغد بآماله مرهون بالحمير ، وبقدرتها !!!

                            - 4 –

بعد أيام عاد صوت المنادي من جديد يخترق الجدران والآذان ، لكنه هذه المرة كان يعلن عن مكافأة لأفضل حمارة في البلد كلها ، فالعمدة يطمع في بغل قوي من نسل حصانه القوي والشديد البأس ، ولو حدث تزاوج بين حصانه وحمارة قوية فإن الناتج سيكون بغلا عفيا لا مثيل له في كل القري المجاورة !!!

أصاب الناس الذهول ، هوي الخبر فوق رءوسهم ، أسرعوا بالاهتمام بإناث الحمير ، كل منهم يلبي طلباتها ، توقف سير العمل في الأرض ، تحملوا هم أكثر في سبيل أن تنال الحمير – ذكورا وإناث – قسطا وافراً من الراحة ، تكاسل الأبناء عن المدرسة فلم يسألهم ذووهم ، عاشوا في انتظار غد يأتي لهم بالجائزة الكبري ، راودتهم الأحلام ، أقاموا في خيالهم موائد عامرة بأمانيهم المقهورة !!!!

                           - 5 –

مضي الشهر بكامله ، الكل يترقب ... لم يعلن بيت العمدة عن موعد العرض لاختيار الجحش والحمارة الفائزين ... ترددت الشائعات : البعض قال بأن " حمارة العمدة أصابها المرض " ... البعض الآخر نفي تلك الإشاعة وقال " إنها بلغت سن اليأس " ، ولن تستطيع العشار ، عاد السؤال عن حالة الحصان أيضا ، وجاءت الإجابات غريبة :" الحصان متعال ويرفض الزواج من حمارة من الرعاع " ... " الحصان أصابه الإحباط منذ أقام علاقة بفرس شيخ البلد ، واكتشف أنه ضعيف جنسيا ، ومن يومها وهو يعاني " ورغم كل تلك الشائعات فقد ظل الجميع ينتظر !!!

ذات مساء خرج عليهم نائب العمدة وطمأنهم أن الأمور تسير علي ما يرام ، وإنه إن لم يكن اليوم فغدا أو بعد غد أو الشهر القادم ... أو العام القادم ، يبتلع أصحاب الحمير أحلامهم ، كل منهم يخشي الآخر ، يأخذ حذره ، يحجب حمارته أو جحشه عن العيون .

                              - 6-

تزايد الهمس الحذر ... مضي ما يقارب ستة اشهر والحمير ترتع في النعيم والدعة وليس هناك حس أو خبر عن الموعد المحدد !!

أيام قليلة وعاود المنادي طوافه يبشر أهل القرية برفع قيمة المكافأة للجحش أو الحمارة إلي خمسين ألف جنيه !!! أحيت البشري في نفوسهم الأمل من جديد ، زادوا من اهتمامهم بحميرهم ، حاولت بعض القري المجاورة أن تشترك في المسابقة ، قامت المظاهرات ، وطافت بدروب القرية وحتي حدود القري المجاورة ، ونادوا بأعلي أصواتهم بأعلي أصواتهم بأن حميرهم هي أولي !! أمام رغبتهم وافق العمدة علي أن تقتصر المسابقة علي حمير البلدة فحسب ، عندها تعالت هتافاتهم وانطلقت حناجرهم تدعو له ولحمارته وحصانه بطول العمر .

                            - 7 –

صحا الناس علي خبر غريب ، لم يصدق أحد ، رعم أن نائب العمدة قد أعلنه علي الملأ وهو يبكي ، احتشد الناس حوله وهو يخبرهم بأن حمارة العمدة قد وصلت لسن اليأس ، ولم يفلح الأطباء في معالجتها طوال الفترة الماضية ، أما الفرس فإن حالته النفسية قد ساءت وعافت نفسه الطعام والشراب ، ولم يعد يجدي معه علاج .

                            - 8 –

أمام الجموع المحتشدة ، أقسم العمدة أن هناك فرصا أخري .... وأن الغد سوف يحمل لهم بشري أكبر ... !!!                                                                                  

We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…