القصة القصيرة

 كتب | هيو جي

بريطانيا- لندن

سنة جديدة سعيدة


وداعا 2017  بجميع احداثك المجيدة والحزينة، على أمل أن يكون هذا  العام  2018 سعيدا  للجميع.
و يسرنا أن نعلن اليوم عن مجموعة "كاسل جورنال " للصحافة والإعلام التي يقودها رئيس مجلس الإدارة عبير المعداوي، أن تعلن عن قائمة الشخصيات الأكثر تأثيرا وإلهاما لعام 2017.


هذا العام، لا تجري كاسل جورنال استفتاء على الأسماء المختارة من الشخصيات، ولكن فريق من الاستشاريين في المجموعة من  المتخصصين في جميع المجالات الثقافية والعلمية والسياسية والرياضية قاموا بإختيار أفضل الأرقام وفقا لجهودهم في جميع أنحاء العام ... و يتميز اختيار هذا العام بتنوع كبير واحترام  لرسالتنا الإنسانية التي نستهدفها من خلال صحفنا و مجلاتنا المتنوعة  
ويسعدنا مجموعة كاسل جورنال للصحافة و الإعلام إعلان  قائمة الشخصيات  الأكثر نجاحا والأكثر تأثيرا والإلهام  لعام 2017، على النحو التالي.

  الروائي و القاص العراقي عيسى عبد الملك الاديب العربي لعام 2017

من العراق الشامخ البلد الثري و الغني بالكثير و الكثير من الكنوز ليس فقط البترول و المعادن النفيسة و التاريخ و الاثار بل ايضا و العقول الكبيرة و هذا العام تتشرف مجموعة كاسل جورنال للصحافة و الغعلام و اختيار  احدى جرائدها " كاسل جورنال العربية" الروائي و القاص عيسى عبد الملك الاديب العربي لعام 2017 و هذا لتفرده الكبير في حياكة مجموعته القصصية الاخيرة و التي بدار فيها بتقديم رؤيا وطنية يمتزج فيها الابداع مع الفن التصوفي الجليل...إشتهر عيسى عبد الملك بقصصه المتميزة الحبكة و تنوعها الادبي البلاغي كما أنه يصر على الحفاظ على هوية القصة العربية حيث يهتم بصيغتها العبقرية دون التجريح في حداثة الموضوعات .

 

نبذة عن القاص عيسى عبد الملك من موقع ويكيبيديا

ولد عام 1938 في محافظة [1] جنوب العراق ولكنه نشأ وترعرع ولا زال يعيش في محافظة البصرة المجاورة لميسان. أكمل مراحل دراسته الأبتدائية والمتوسطة والثانوية في مدينة البصرة وتخرج من دورة المعلمين واشتغل في سلك التعليم في البصرة.

يجيد اللغتين الفرنسية و الإنجليزية بطلاقة, وقليلآ من اللغة الألمانية التحق بالدراسة في جامعة البصرة ليحصل منها على شهادة بكالوريوس في العلوم الاقتصادية عام 1975 وكذلك التحق بدورة دراسية للغة الفرنسية للمتقدميين في المعهد الثقافي جامعة البصرة 1978 وحصل على شهادتها. عضو اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين , عضو جمعية الاقتصاديين العراقي

صدرت له في نوفمبر 2010 مجموعته القصصية الأولى تحت عنوان (الحزن على طريقة وردة) عن دار رند للنشر في دمشق المجموعة التي ضمت 22 نصا قصصيا امتدت فترة كتابتها منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى تم جمعها في هذه المجموعة التي توزعت على ـ144 صفحة من القطع المتوسط، منها مطر من زغاريد، طاوي، كبش فداء، الرهان، نعيمة، باب الخزان الثالث، برتقال، دعوة .. ولكن بعد فوات الاوان، الحزن على طريقة وردة، الوجه، عشاء لاينسى وغيرها. تناولت المجموعة القصصية قضايا إنسانية مختلفة، وهي محاولة للتعبير عن الواقع الاجتماعي العراقي ورصده بطريقة فنية من خلال احداث ووقائع لشخصيات داخل المتون القصصية.

 

Published in شخصيات

بقلم الروائي القاص العراقي الكبير ؛عيسى عبد الملك 


الحزنُ على طريقة وردة
عيسى عبد الملك
تَوَقَّفَ الباصُ المتعبُ، ولمْ يَعُدْ هيكلُهُ الخشبيَّ يَرْتَجفُ، أَنَّ قليلاً وخمَدَتْ ماكنتُهُ القديمةُ.. فَتَحَ السائقُ البابَ على عجل ونَفَضَ عنْ ملابسِهِ التُرابَ، وصلْنا، قالها وأسرَعَ الخطى، لَفَّهُ زقاقٌ ضيِّقٌ .الغروبُ زحَفَ على القريةِ كلها. غروبٌ كئيبٌ مقبضٌ، بَدا لي أنّ القريةَ تخشاه، وأنَّ رعباً ما سيجتاحُها أو أن كارثةٌ على وَشكِ أنْ تقعَ.


في الباصِ كنت الراكبَ الوحيد، لمْ يمهلني السائقُ لأُسْأَلَهُ.. فوقَفْتُ أنظر الناسَ والناسُ يركضون، يُلملمُ الباعةُ حاجياتِهم، يُغلِقُ أَصحابُ الدكاكين أبوابَها، يَرْكُضون، يختفون في الأزقةِ الضيقة، وجوهُ الناسِ صُفْرٌ، أجسادُهم نحيفةٌ، نساؤهم فَقَدَتْ عيونهن البريقَ، حُفَرٌ تدورُ في محاجِرِها كراتٌ، لا لون لها. بيوتَ الطين كهوف، وبيوت القصب خاوية، هل أكون قد علقتُ، حاصرني المغيب، طريقًُ العودة أُغْلِقَ، طريقُ الذهابِ لا أَعْرِفُهُ، أَحْسَسَت أني مُنفَلِتٌ.. رأيتُ عجوزاً يَسْتَنِهضُ هِمَّتَه ليركضَ، ركضتُ، لحقتُ به، فألتفتَ، رَفَعَ يَدَهُ بوجهي وفتح فاه، سَيّلٌ من الآياتِ الراجمة تَدَّفَقَ بوجهي، فوقَفْتُ مشدوهاً، كانَ يَرتَجِفُ، يَنظرُ يمنةً ويسرةً، لا أحدَ في الطريق سِوانا. أقسمَ عليَّ أنْ أُعطيَهُ الأمانَ أعطيتُهُ الأمانَ، أقْسَمَ عليّ أَنْ أستديرَ، اسْتَدرْتُ، ولمّا التفَتُ لم أجدْه، سَمِعْتُ صوت باب قريبٍ. طَرَقْتُ البابَ، فخمدَتْ الأصواتُ بالداخِل، لَبَثْتُ قليلاً وأصْغَيت السمعَ، ((رجمته بالآيات})


كان صوتُ الشيخ.. لكنهم لا يأتون الآن، قالَ أَحدُهم.. ثم صَمَت الجميع، إذ تَلَصَصَ أحدُهم عِبْرَ البابِ. بقيتُ واقفاً، الهياكل العظمية التي مًرَّتْ مسرعَةً، دَخَلتْ البيوتَ، وأَحْكَمَتْ إغلاق أبوابِها.. بدت القرية غامضةً، ساد صمتٌ مطبق، كصمتِ مقبرة.. فتحرك في أعماقي حنينٌ غريبٌ، حنينٌ إلى نباح كلب، ثغاء خروف، أو صياح ديك.. خفْتُ، اتجهت نحو دكانٍ مُغْلَقٍ، ووضعتُ حقيبتي فوق مقدمته الحديدية البارزة، تَرَكتُ رجليَّ تدليان، فأرحتهما. أَحسستُ بالحزنِ والحيرةَ والجوعِ.. من بعيد، رأيتُ شرطياً يقتربُ، أفرحني ظهوره.. اقتربَ الشرطي، وابتسم، حياني، نهضتُ، ومددتُ يدي مصافحاً.. قرأ كتاب تعييني.. فهزَّ رأسه بحزن وقالَ مازحاً: هلْ ارتكبت ذنوباً كبيرة؟، وحينما سألته كيف أصِلُ قال: سَتَصِلُ، وطلبَ مني أن أصحبه إلى مركز الشرطة، كان ودودا، ريفياً أكثر منه شرطيا، حياني عريف المركز.


((غدا صباحاً، سنجدُ من يوصلك، فأهل القرية يأتون لبيع ما ينتجون ، أما الليلة، فأنتَ ضيْفنا)). لم يجبني أحدُ عن أسئلتي.. أعجبني سكون الليل، وأعجبتني أكثر كثرة النجوم، لم أر سماء بمثل هذا الاتساع والصفاء والروعة! دفء استقبال الشرطة، هدأ روعي، في الصباح، ودعني عريفُ المركز والشرطة.. عند حافة الشط وقفوا. تحيَّرتُ في كيفية الجلوس في زورق كهذا، كان صغيراً جداً، طلي بالقار وحصيرة قصب مبتلةٌ فراشه.. ترددت كثيرا وأنا أنظر إليه.. فسارعَ الشرطي لحسم الموقف.. سَحَبَ الزورقَ بيدٍ واحدة، أسْتَلَّهُ من الماء، فاستقرَّ على اليابسة.


- أجلسْ، وشجعني.. ستتعلم وستعتاد، هيّا، تشَجَّعْ، لا تخجلنا أمام البنت، وأشارَ إلى فتاة، كانت تستندُ إلى قصبة طويلة، ترقب المشهد، وكان المشهد مضحكاً، كانت تبتسم. وهي تلف عباءة سوداء حول وسطها.


جلستُ وراح الشرطة يدفعون الزورقَ ببطءٍ نحو الماءِ. أردتُ أن أقفزَ منه، بَعدَ أن رأيت مقدمته تختفي في الماء، لكنَّ الفتاة لم تمهلني، قَفَزَتْ بخفة إلى الزورق، فأنساب كأنَّ يداً سحرية تسحبه تعَلَّقت يداي بحافتيه، لامَسَتْ أصابعي الماءَ.. تخشبت،.كلما مالَ الزورقُ، بادَرَتْ إلى موازنتهِ بمهارةٍ، بَعَدَ قليلٍ، صِرْتُ والفتاة والزورق في رحلة المجهول..
راحتْ تدفعُ الماءَ بالعصا الطويلة، وراحتَ العصا تتلوى مع حركات جسمها اللدن... لم تكنْ جاوزت العشرين... ممشوقة.. كانت تحدثني.. فأجيبها باختصار دون أن ألتفت، عيناي مثبتتان في الممر الضِّيقِ والزورق ينسابُ، بين صفين من البردي والقصب، ينحني بعضه تحت الزورق، ثم ينتصبَ من جديد.. قصبُ عالٍ متشابكٌ، تطيرُ فوقَهُ، من حين لآخر أسرابٌ من الطيورِ تَحفّ نهاياتِه ثم تختفي.. أسكرني ما رأيتُ.. وابتعدْنا، راح الزورق يتوغل أكثر فأكثر في أعماق الهور.. كنتُ صامتاً، أسمعُ صوتَ تنفسها يتناغمُ وارتطام العمود بالماء و .. فجأة صَدَحَتْ تغني.. كان صوتها شجياً، رخيماً.. كلماتُ الأغنية، مباشرة، جريئة، تخاطب الحبيب، تشكو حنين أضلاعها في ليلة باردة وتدعوه للعناق. صوتها، زرقة مياه الهور، خضرة القصب والبردي، أسرابُ الطيور أيّ قدر ساقها لي، أيَّ جروحُ قديمةٍ نائمةٍ أَيقَظَتْ.. تحركتُ، أردتُ أن ألتفت إليها، لكني لمْ أجرُؤْ، رحتُ استَحضِرُها في ذهني.
- مَدِّدْ رجليك، قالتْ لي، لا تَخَفْ.


مَدَّدْتُ رجليّ، أحسست بالراحةِ..
أدركتْ ما أُريدُ، فأوقَفَتْ الزورقَ..
- تستطِعُ أن تُغَيِّرَ جلسَتَك، قابلني، تَحَرَّكْ ببطء وأنتَ جالسٌ
راحتْ تُشجعُني وَرُحْتُ أتحرَّكُ ببطء وحذر، فلمْ أُفلحْ، وكدنا ننقلبُ لكنها بمهارةٍ وخِفَّةٍ أعادتْ للزورقِ توازَنَهُ.. بَعَدَ قليلٍ توقَّفتْ عندَ نتوء أرضي بين المياه، تكاثفَ فيه القصب والبردي وتشابك.
- انزلْ بحذر، وأركبْ من جديد، واجهني.
وركبتْ من جديد وواجهتُها.. ابتسمتْ بارتياح.
- ((هكذا أحسن))
- ((فعلاً أحسن)) أجبتْ متنهداً بارتياح، ورأيتها بوضوح أحسن.. كانت تشعُ شباباً، خداها ورديان، زادَ من احمرارها شعاعُ الشمسِ المنعكسِ فوقها، قطراتٌ من العرقِ تسيلُ فوق جبينها العريض، خصلاتُ شعر تحتضن الوجه، جديلتان شقراوان تنحدران نحو الأسفل، تدخلان من فتحة عند الصدر. عيناها خضراوان بلون القصب والبردي، صفاؤها بلون زرقة مياه الهور، أما فمها فكان صغيراً، أبرزُ ما فيه احمرارُ شفتيها الممتلئتين، أيّ جسم رائع تخفيه هذه الملابسُ المتواضعة.
- ((أيعجبك غناؤنا))
- ((جداً))
- ((انتم في المدينة لا تحبون غناءنا)).
- ((أنا أحبُّهُ، فأنا أيضاً من أصول ريفية)).
- ولكنّ المدينةَ أَنْسَتْكَ كيفَ تجلسُ في ((مشحوف)) علقَّتْ.
ثلاث ساعات متواصلة، لم تتوقَفُ عن الدفع، كما أنها لم تتوقفْ عن الغناءِ، والحديثِ وطرح الأسئلة..
• لم أضجْر، بل أعجبتني لثغةٌ في صوتِها وجرأةٌ في كلامِها وثقةٌ بنفسها
- متزوج؟
- كلا!
- لماذا؟
- لم أطرح على نفسي هذا السؤال. فلم تتح لي المنافي مجالاً لسؤال.
- وأنتِ؟
- لم أجد من أريد، أجابتني ضاحكة وأردفت، بم تفكِّرُ؟
- برسمِكِ، أفكِّرُ أنْ أرسمك: وأنتِ بم تفكرين؟


- أفكِّرُ أَنْ أُغرِقَكَ، ضحكتُ وقلتُ تكذبين.. ضحكتْ وراحَ جسمها اللدن يتلوى كخيزران. ملابِسُها ملتصقةٌ بجسمها تلتف حوله، تدور حول نفسها نصفَ استدارة، تدفع الماءَ بالعصا، فتبرز كلُّ تقاطيعه وحينما تنحني، تبرزُ مؤخرتُها، ترتفع ملابِسُها عند كلِّ حركةٍ فتكشفَ عن ساقين متناسقين مع جسمها الذي تناسقَتْ تقاطيعه، كما لو شذبتها يدُ فنّانٍ ماهر..
- أّنتَ وَقِحُ النظراتِ، سأقِفُ لأجعلك تُغيُّر جلستك، بلْ واعصب عينيك، إنْ اضطررت..
- وأنتِ جريئةً، ألا تخافين وأنتِ مع غريبٍ في هذا الهور الموحِش؟
- وماذا تستطيعُ أن تفعلَ، وأنتَ مُسَّمرٌ كلوح، غيرَ أنْ تنظر وتتكلم؟
ثم أنَّ هذا الهور عميقٌ، عميقٌ جداً وأردَفَتْ وأنت لا تعرف العوم ولا تحملُ سلاحاً!
وعادتْ تغني من جديد، وعدتُ استمعُ والزورقُ ينسابُ بين حفيفِ القصبِ والبرديّ. عندها أدركت إني مازلت حيّاً فتعريت عن همومي.
- تلك هي قَريتُنا، أترى نخيلها؟
- صدقيني، تمنيت، لو أنّا لم نصلْ.
- لكنا وصلنا.
- ما اسمكِ، قبلَ أن نفترقَ؟
- وردة.
- شكراً يا وردة شكراً.. أسعدتني كثيراً..
قادني صبيٌّ صغيرٌ، راحَ يركضُ أمامي، حاملاً حقيبتي باتجاه مدرسة القرية، بينما راحتْ نسوة في القريةِ وأطفال وبعضُ الشيوخ ينظرون إليّ ويحييني بعضهم.
في الليل، حكيت لزملائي الذين التفوا حولي، عن رحلتي.. لم أنس شرطة المركز والعريف ولم أنسَ وردة.
ذمَّ أحدُهم وردة، مَدَحَها آخرٌ، أمّا الثالث فقد لزم الصمتَ.
- إذاً تعرفونها؟
- وَمَنْ لا يعرفُها! عَقَّبَ أحدُهم..
عند النوم، كنتُ أفكر فيها.. صوتها العذب، خضرة عينيها، شقرة شعرها قوامها الممشوق وكلام الزملاء عنها.. أَرِقْتُ، ومع ذلك، هوَّنَ علي ذكرها وحشة أول ليلةٍ... المدرسة بضعة أكواخ قصبية. كذلك بيوت القرية.كل شيء كئيب مضجر.


بَعدَ بضعة أيام، اشتريتُ قارباً صغيراً، كقارب وردة. ثم تعلَّمتُ التجديف جالساً وبعده الدفع واقفاً، وصرتُ أقفزُ من الزورق وإليه بخفة حتى قبل أن يستقرَّ قربَ حافة المياه.
- أستاذ، أختي تسلم عليك، همس لي صباح يوم تلميٌذ صغير أشقر الشعر، أخضر العينين.
- مَنْ أختك؟
- وردة.
- بلغها سلامي!..
حينما سألت أبا جميل عن التلّ الأحمرـ وأين يقع، اعترته دهشة وسألني مستغرباً.
- لماذا؟
مجرد سؤال يا أبا جميل، لأني أسمع عنه الكثير ولم أرَه.
- من الخير ألاَ تراه وأحذّرُك، فهو منحوس ومسكون، تظهرُ فيه الأشباح، وأردف أبو جميل، كثيرا ما فقد بعضُ الناس عقولهم هناك..ً
- ماذا تقول يا أبا جميل؟ أتصدِّقُ؟..
أبو جميل هذا الشيخ الطاعن في السِّن، هو فراش المدرسة وحارسها ومتعهدها وحوله تدور حكايات غريبة.
- وهَلْ كل الناس يكذبون؟ ردَّ أبو جميل مستنكراً..
- ومتى تظهر الأشباحُ، يا أبا جميل؟.
- عند الغروب وحتى الفجر..


سكتُّ... ترى لماذا طلبت مني وردة أن انتظرها بعد العشاء عند التَلِّ الأحمر؟.. قررت أن أذهب، تفجرَّ في أعماقي حنين لم أعهده لرؤية وردة!..
بعد العشاء، أخذت مجدافي ، تسللت إلى حيث ربطت زورقي الصغير ورحت أجِدف بهدوءٍ نحو التلِّ الأحمر.. بعد ساعةٍ برز لي التل منتصباً وسط الماء بين ارتفاعات شاهقة لغابةٍ من القصب والبردي، تشابكت أصوله والفروع، وتشعب المسلك المائي الذي سلكته إلى مسارين يحيطان بالتلِّ... نزلت، ربطت الزورق بعمود القصب، ركزت العمود في الطين والوحل والبردي، وبقوة ربطت الزورق إليه.. رحت أصعدُ التلَّ الغارق في سكون ليل الهور وهدوئه.. من آن لآخر، أسمع نباح كلبٍ مستفَزٍ آت من بعيد، من قرية ما مزروعة بين القصب والبردي.. استأنست بنباح الكلب الآتي من بعيد وأنا أصعدُ التل بحذر.. من بعيد لاحت أضواء القرية، تبعتها فوانيسها المتعبة.. كان التلَّ أجردا موحشاً.. نظرتُ إلى ساعتي.. لم أستطع معرفة الوقت فجأة سمعتُ صوت ارتطام جسم ثقيل بالماء، تطاير رشاش الماء عالياً.. حاولت أن اعرف مصدر الصوت فلم أفلح.. جلستُ.. من أين ستأتي وردة؟ وكيف؟ لقد تصرفتُ بغباءٍ، قلتُ في نفسي.. كانَت السماءُ صافية، متلألئة النجوم والقمر مشرق على هذه الامتدادات المائية.. حفني طائر كادَ أَنْ يصطَدِمَ بي، ثم حلّق عالياً، دارَ دورةً وغيبته نهايات القصبِ والبردي.. وفجأةً سَمِعْتُ ما يشبه صوتَ وردة آتيا من بعيد، ينقطع أحياناً ويتصل أحياناً، ورويدا رويدا، أخذ الصوت يبدو أكثر وضوحاً. أنه صوتُ وردة الذي أعرفه... انتصبتُ، أردتُ أن أصيح، أناديها، أُسْرِعُ إليها، ألاقيها، أحضنها.. خفق قلبي واضطرب.. كان الصوت يقترب ويزداد وضوحاً، حتى مَيزَتُ كلمات الأغنية، أنها اختارتها للمناسبة، لي أنا.. قفز قلبي، فرَّ، حلَّق فوق القصب والبردي... سرت نحو زورقي نزلت من التل مسرعاً، وقعت، تعثرت بحفرة، نهضت مسرعاً حيث ربطت زورقي، إلاّ ان الصوت راح يبتعد... حاولت أن أعرفَ اتجاهه ففشلت.. فككت حبل الزورق ورحت أجدف باتجاه القرية بحزن وحيرة.. جدفت ساعة، ساعتين، لكن القرية بدت وكأنها اختفت من الوجود... تعبت، توقفت عن التجديف ورحت استطلع الطريق، لم أر شيئاً. إذ سدت عليّ غابة القصب والبردي مجالَ الرؤية ومداها. المسلك المائي هو بوصلتي الوحيدة، والمسلك المائي أوصلني إلى التل بساعة، وها أنا أمضي ثلاث ساعات ولم أصل لابدّ أني أخطأت الطريق... لم لا أعود إلى التل وأحدد اتجاهي من جديد؟ أهتدي بأضواء فوانيس القرية؟ عدتُ إلى التل، صعدته، وقفت، رسمت خطاً مستقيماً وهمياً بين القرية والتل، من بعيد لاح لي ضوء فانوس يتحرك، ما لبث أن صار أثنين وثلاث وعشرة ثم صارت عشرات الفوانيس، تتحركُ باتجاهات مختلفة، لكنها كانت بعيدة جداً.. سرتُ والخط الوهمي الواصل بين القرية والتلِّ وجدفت، جدفت حتى أنهكني التعب، لم أعدْ أقوى على رفع المجداف وتحريكه.. ما العمل؟... وذكرتُ وردة.. هل ضحكتْ عليّ؟ لكنها جاءتْ... لم تجدني هي الأخرى، ربما كان غناؤها إشارة لقد كان الصوتُ صوتها.. اعرفه جيدا... ساورني الشك.. ذلك الزميل الذَّي ذَمَّها، هل مارست معه نفس اللعبة؟ معهم كلهم؟، ضحكتْ على الجميع قبلي، حتى جئتُ وجاءَ دوري؟ والتَلُّ وما قاله أبو جميل، أيمكن ان يكون ما قاله عن فقدان بعضهم عقله، صحيحاً؟ أمْ أني مضطرب حديث عهد بمسالك الهور المائية؟.. ثم خطرت لي فكرة.. لماذا لا أنام في الزورق؟..
لففت حبل الزورق حول حزمة من القصب، وربطته بقوة وإحكام.. تمددتُ في الزورق.. وضعت يدي تحت رأسي، وسرعان ما غفوتُ..
- أصحيحُ أنك تذهبُ كلَّ ليلة إلى التلِّ الأحمر، تلعبُ مع الأشباح وتسهر؟
سألني تلميذ صغير ذات يوم
- من قال هذا؟
- كلُّ القرية، تتحدث عن ذلك، ويقولون أنك في آخر الليل، تنامُ في الزورق، وتوصلك الأشباح حتى مشارف القرية.
- عمري ثمانون عاماً، ولدتُ في هذه القرية ولم أسمع، بأغرب مما أسمع الآن، تترك القرية ومجالسها، وتسهر مع الأشباح؟ قال لي أبو جميل ذات يوم أيضاً.
- وماذا يقولون أيضاً، يا عم؟
- تبعك أحدهم مرة، غرق زورقه، ولولا العناية، لمات.. طاردته الأشباح حتى مشارف القرية وقد رآها تستقبلك وراح أبو جميل يضيف.. آخرٌ.. رآك عند الفجر، نائماً في زورقك قرب التلِّ، والأشباح تحرسكَ..
ضحكت وردة حدَّ الإغماء عندما حدثتها تلك الليلة، عند التلِّ الأحمر، عن حكايات أهل القرية..
- ما عندي أكثر واغربُ، قالت.. كان رأسها يستند إلى صدري، ويدها تعبث بشعري برقة، لقد سرق أحدهم زورقك، لكنه أعاده بعد أن وقف الزورق منتصباً، يقول أنه رأى، بأمِّ عينيه للزورق ذقناً ولساناً وذراعين! ضحكتُ، ضحكتْ وردة ثم ضحكنا معاً..
- وما قصة الأشباح، يا وردة؟
- نحن أناس دمرتنا الحرب، يا عزيزي.. سلبت منا البهجة والأمان.. وهذه ليست أشباحاً.. أنها أرواح الذين قتلوا، من أهلي وعشيرتي سكنت التلَّ الأحمر، حيث مقابرهم، إلا أنهم لا يسكنون المقابر، اعتادت أرواحهم أن تعيش بين القصب والبردي، قريبة من القرية حيث الأطفال والنساء ومن أحبوا، واستطردت وردة.. كان صفر الوجوه الذين رأيتهم أو مررت بهم، يذكون نار اقتتالنا باعونا سلاحاً وعتادا وأطعمة فاسدة، بفاحش الأسعار، أشاعوا بيننا أخبارا كاذبة، اندسوا بيننا، ضللَّونا وأثروا من ذلك كثيرا..
شَقّتْ عجوز جيبها، عند مغيب شمس يوم، وسقطت ميتة عند الصلاة... ومنذ ذلك اليوم، وصفر الوجوه، يفتك بهم مرض غريب.. وعند المغيب، مازالت وردة تتحدث، عند المغيب تطوف أرواح من قتلوا في الطرقات، طرقات المدينة تدق الأبواب... كل روح تعرف مصدر السلاح الذي قتلت به، ويسارع صفر الوجوه إلى إغلاق أبوابهم، قبل مغيب الشمس خائفين، فتغدوا المدينةُ، مدينةَ أشباح وموتى فيها يطوفون.
- وردة! سمعتك ذات ليلة تغنين عند التلِّ الأحمر، عرفتُ الصوتَ لكنه اختفى.
- نحن أناس نحب الماء والهواء والقصب والبردي والغناء، نصنع من القصب مزامير، شبابنا، صغارنا ، يجيدون الغناء ويعشقونه.. في قريتنا لا تجد من لا يجيد الغناء، حتى سرق ذوو الوجوه الصفر بهجتنا،.. في ليال معينة.. أذهبُ إلى هناك أُسْمِعُهم ما يحبون من غناء، أبددُ عنهم وحشةَ ليلِ التلِّ القابع في السكونِ.. فقد مَلّوا نواحَ الشيوخِ والعجائز والنساء.. ثم أردفتْ أرجوك، غنّ لهم، من أجلهم، إذا ما مررتَ بهذا التلِّ.. غنِّ بطريقتك، بلحنك.. ثم .. نَهَضَتْ وردةُ بحزنٍ، واتجهَتْ إلى حيث أَخْفَتْ زورقها بين القصب والبردي، وبعد قليل، تناهى إليّ صوتها، رقيقاً، شجيّا، مؤثراً وراحَ الصوتُ يتضاءَلُ حتى لم أعدْ أسمع غير خفقان قلبي الذي كان يّدُقُّ بحزن وخشوعٍ وهو يتبعها..

بقلم عيسى عبد الملك -العراق

 

We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…