القصة القصيرة

بقلم الروائي القاص العراقي الكبير|عيسى عبد الملك

الحائز على  لقب الاديب العربي الاكثر ابداعا لهذا العام من قبل مجموعة كاسل جورنال

 

 

 

 

قصة قصيرة بعنوان 

أنا ولالا ... وخراب البصرة..

 

المعقد، كان زملائي يسمونني.. كنت أسمعهم واكرس هذا المفهوم في اذهانهم. معزولاً في الصف كنت، لا احد يشاركني مقعد الدراسة ، صديقي الوحيد مجنون يتحاشاه الناس، يبتسم حينما يراني ويهدأ.  في بداية شارع الارمن، يجلس دائماً... أتوقف عنده قليلاً، يدعوني الى أن أشاركه طعامه، طعام مجاني من حاوية القمامة، اعتذر بلطف، ابتسم وأودع صاحبي المجنون وأمشي.. لم أكن معقداً، كما يقولون، أذ كنت استمتع بمعزل عن الناس.. اكتشفت شارعاً لا يشبه شوارع البصرة!. اتسلك إليه كل يوم، يوصلني طريق ترابي، بين بيتنا وشارع الارمن، منه، أدخل شارعي الذي اكتشفته، شارع الضباط. موظفي الموانئ الانكليز!، كشوارع لندن، مصمم الشارعُ، هكذا تقول الناس، شارع مظلل ينام في الهدوء والورد، يغسل كل يوم، تأوي اليه  الطيور والعصافير الصغيرة، منوع الأشجار والفواكه، لا أحد يجرؤ على المرور به، شارع لندني جميل ، غير بعيد عن بيوت المعقل المتعبة وصرائفها المنخورة وأزقتها المغبرة، مرتع البعوض والذباب وفضلات الناس والحيوانات، يقع شارع الضباط.. أما شارع الأرمن فقد حاول سكانه أن يجعلوه شارعاً! في أيام الآحاد.. تجلس نساء الضباط في الحدائق، حدائق البيوت الفارهة شبه عاريات، يتمدن بكسل، يدهن أجسادهن الطرية، يعرضنها لشمس البصرة، الشمس التي فحمت وجوهنا، أما معهن مع نساء الانكليز فالأمر مختلف!.. يوم الأحد، تكثر غيابات الطلاب، يوم الاثنين، يهدأ صراخ المدير بعد عقاب الغائبين.. في بداية الشارع، بيت كبير، حديقته مزدانة  بالورود من كل الألوان.. لم يكن البيت مكتظاً كبيوتنا الصغيرة الفقيرة.. بعناية، نسقت الحديقة...

عصر يوم، لاحظت عجوزاً، تجلس في الحديقة، تحيطها الورود، كرسيها في الوسط، وحولها اتخذت الورود، شكل دائرة، كان الشارع كالعادة خاليا . وقفت. رحت أتأمل العجوز.. كانت تستمتع.. لفت انتباهها.. أشارت إلى خادمة قربها .. هرولت الخادمة نحوي.

- ماذا تريدُ؟ .  كانت الخادمة هندية، لكنتها متعثرة.

– أريد وردةً.

- أي نوع من الورود؟.

- وردة جوري. أسرعت إلى العجوز من جديد، عادت وبيدها باقة ورد، قدمتها باسمة، وغمزت بعينها.. اخذت وردةً واحدةً لا اكثر، وكانت جورية.. عادت الخادمة مسرعة، وقفت قرب العجوز.. انحنيت.. حييت العجوز عن بعد وسرت في طريق الضباط..

منذ ذلك اليوم اعتدت هذا الطريق، كما أعتاد رؤيتي حراسه المتعبون، ولم يعودوا يمنعوني.. هكذا تبدأ رحلتي.. أقف عند باب حديقة العجوز. أراها على كرسيها وسط دائرة الورود، تراني الخادمة، تهرول نحوي تنحني تحييني باسمة، تناولني وردة جوري، وردة واحدة لا أكثر، تغمزني بعينها وتعود مسرعة.. أشم الوردة، أنحني تحية للعجوز، ترفع يدها، ترد التحية، فانصرف، أسير في طريق الضباط.. انحرف نحو محطة القطار، أدخلها، لا لتوديع أحد، بل لأرى لحظات الوداع. وحينما يغادر القطار، أعود للبيت مهموماً، وفي الليل أنسل من جسدي، أتركه على السرير الحديدي وأرحل..

في شارع الضباط هذا، كنت ألتقي بها، عند نفس النقطة، في منتصف الشارع، في السادسة عصراً، كما تلتقي القطارات نلتقي.. تمر بي، تدفع عربة فيها طفل، نلتقي، لا ترفع بصرها، تجتازني، كنسمة، يغمرني عطرها، أفتح كل نوافذي، ألتفت، أدفع يدي للطفل، ينظر الطفل إلى يدي، إلى وردة الجوري، يلوح لي بوردة جوري مثلها، ابتسم يبتسم الطفل، تختفي، يعلق شيء من عطرها في ملابسي، وينتهي كل شيء.

فقط عندما تتقاطع الطرق، أسمعها تلفظ كلمة لا أعرفها، كلمة واحدة لا غير.. وما أن تجتازني حتى ألتفت. أرى جدليتها الشقراء تتأرجح على ظهرها.. اي انكليزية هذه، ما أشد احمرار وجنتها، ما أهدأها، ما اصعبها، ترى هل تراني، فتاة كهذه كيف تخترق. مرَّ عام، كنت كبندول الساعة..

ذات يوم وقف ببابي نعيم ، كان أكثر تعقيداً مني وكنت لا أميل إليه.. أصَرَّ على أن يصحبني في جولتي، بخبث حاولت التخلص منه، فلم أفاح. تبعني، ظلَّ يسير خلفي، فتباطأت حتى لحق بي.. لم أدلف على شارع الضباط، سرت في خط مستقيم باتجاه شارع الأرمن..

غير بعيد، برزت أمامي، هي والعربة والطفل وثلاث فتيات، يسرن نحونا عيونهن مصوبة علينا، كان الشارع خالياً، إلا منهن ومنا.. سحبتُ رفيقي إلى الجهة الثانية. غيرت وجهة العربة وعبرت هي أيضاً، وعبرت رفيقاتها... ضاقت المسافة بيننا، تخلفت قليلاً عن رفيقاتها، انحنت، لعلها التقطت شيئاً وقع منها، لم أسحب رفيقي، هذه المرة، بل عبرت مسرعاً وتبعني هو أيضاً، كلانا لا يفهم ما يدور ومثلما فعلتُ،  فعلتْ هي ، تبعنها، تلاشت المسافة بيننا، صرنا وجهاً لوجه، ولأول مرة رأيت عينيها، عينان زرقاوان، لكن غضب عارم أفقدها البريق.. اصفَّر لوني، وجه صاحبي صار بلا لون.. خائفاً كنت، إعصاراً مفاجئاً صارت.. سحبتُ صاحبي لأهرب، لأعبر إلى الجهة الأخرى، لكن صاحبي كان قد جمدَ.. انفجرت الفتيات ضاحكات، انفلتت من بينهن وغرزت عينيها في وجهي.. ضاق الشارع بي.. سدت عليّ منافذه، ورفعت يدها، نبتت صخرة في وجهي، جمدت الفتيات وهربَ صاحبي وهو يشتمني، أما هي، فكما تهدأ العاصفة هدأت تنهدت بعمق، كمن أراح حملاً ثقيلاً عنه وسارت بصمت مطرقة، لوح الطفل لي بيده، ثم بالوردة، وردة الجوري.. وقفت كالأبله.. وردتي خضبها الدم. كَلِمتُها التي لا أعرف معناها ترَّن في أذني...

كان ذلك منذ زمن.. ابتعدت، رأيت شوارع ومدناً ووجوهاً.. نسيت شارع الأرمن والضباط وعصر انبثاق الدم من جبهتي..

عصر يوم، في السادسة، خفق قلبي، ضغط علي،

- أخذت عصاي ورغم منع التجوال خرجت.. دخلت شارع الضباط... اجتازني رتل دبابات بريطاني، خرب الشارع والرصيف وبعض ما بقي من ورود.. وقفت أمام الباب.. من بعيد، لمحتني الخادمة الهندية، جاءت الي . لم تكن مسرعة هذه المرة، عرفتني ورسم وجهها معان عدة، حيتني  بانحناءة لقد كانت هرمة، هرمة مثلي تماماً، رجعت، بعد قليل عادت وبيدها وردة جوري.. أرادت ان تبكي، لكنها لم تجد دموعاً ولا أنا. سألتها عن العجوز.. إذ كان الكرسي فارغاً. ((ماتت منذ زمن)) أجابتني. ((أريد ان أزور قبرها)) رفعت رأسها وقالت بأسى ((غداً صباحاً، أنه يوم أحد)).

دخلنا المقبرة صامتين، أنا ولالا الهندية، ذلك كان اسمها.. عند القبر، وقفت لالا، وقفت قبالتها، صار القبر بيننا.. أنا انظر إلى القبر، وردة الجوري بيدي، لالا تنظر ساعتها، عيناها على باب المقبرة، تنتظر شخصاً ما.. وجاء الشخص الذي تنتظره لالا.. لم يكن رجلاً، كما خمنت.. كانت راهبة، يلفها سواد.. هادئة يحفها وقار السنين، في عينيها حزن زمن بعيد، ليس كأحزان اليوم.. مطرقة تمشي.. حالمة تمشي.. وقفت عند القبر، قابلتني، نظرت إلى لالا، لالا نظرت إليّ.. انحنت لالا وعادت إلى وقفتها. بعد أن قالت شيئاً دون كلمات احتوتني الراهبة بنظرة واحدة، احتوت الوجه والأخاديد وفروة الرأس البيضاء وعرفتُ زرقة العينين لكن حروقاً في الوجه أذهلتني حروق قوية وكانت بيدها وردة جوري.. انحنت على القبر بصمت عند الرأس، وبجانب وردتها، وضعت وردتي.. ألتقت الوردتان، ألتقت النظرات، التقت البدان، سرت رجفة في اليدين، حدقت في، حدقتُ فيها، لم أرى دموعاً لكني أدركت حجم الألم. ودون كلمات تحدثنا.. انتبهتْ كالملسوع. سحبت يدها وانسحبت ببطء و.. سمعت الكلمة،

- لالا، كانت ترقب المشهد، بكت لالا.. وجدت دموعاً فسكبتها ،  ليس على الميتة بكت لالا.. بل ربما علينا .!

– ما العلاقة يا لالا؟

- إنها جدتها.

- وماذا قالت يا لالا ؟ دمدمت بشيء ، ليتني عرفت معنى  الكلمة ؟

- بعد خراب البصرة، يا عجوز، ذلك ما قالته. عرفت أن لالا، تكذب.

ونحن عائدين، أنا ولالا الهندية وقبل أن نفترق وقفت لالا وقالت بازدراء. لقد خذلتها، أنت خيبة أمل كبيرة، أنت لا تستحق حتى وردة الجوري، ألا تعرف كيف تحب يا حجر . لقد كادت ان تقتل نفسها ذات يوم بسببك .. انصرفت لالا الهندية باكية وبقيت لا ادري ما اقول ..

- كل هذه السنين ولم تعرف معنى الكلمة؟ سألني واغيناك وهو يمسح شاربه الكث..

– أبداً.

- معناها، غبي! بالأرمنية غبي، هل عرفت الآن.

- عرفت، ولكن بعد خراب البصرة يا واغيك.

 

 

We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…