بقلم القاص|سلام القريني

في مدينتي التي ليس فيها :
ألا .. شارعين :
اثنان :
رئيسيان :
خجولان :
يسيران معا باتجاه متوازي , ويلتقيان عند جنوب المدينة قرب سايلو الحبوب , ليصبح طريقا مستقيما واحدا , تزدحم عنده , بقايا العلب الفارغة , التي يدفع بها الهواء المغبر الذي تثيره السيارات المتسابقة مع أكياس النايلون ألمعاده .
خصوصا , في ساعات الصباح الأولى وقد اكتظ , حد الاختناق بالعربات والمارة وعجلات الدفع الرباعي وهي تثير الرعب في النفوس بإصدار ضجيج وزعيق , يفزع الصبية الذاهبين إلى مدارسهم حيث عيون الأمهات اللائي تظل شاخصة , مترقبة حتى العودة سالمين ,لا يهدا لهن بال طيلة فترة ابتعادهم خارج الدار (فالزمن غدار لايرحم ) .. عبوة ناسفة هنا أو سيارة مفخخة هناك ..أو اية (طرق جديدة للموت ) لا بل تجد , حتى الموظفين العاملين في دوائر الحكومة المحلية يحثون الخطى , تعلو قسماتهم علامات خوف تعكس وجوه عابسة لكم هائل من الحزن .
تقترب الان , عقارب الساعة , التي علاها الصدأ , الجاثمة وسط أزهار وشجيرات مصفرة , في الساحة القريبة من مجلس المحافظة , ذي الأسوار الكونكريتيه الخالية من الشعارات والمحاط بالأسلاك الشائكة , إلى التاسعة صباحا , التي يعتبرها الصحفيون والمشتغلون في القنوات الفضائية بأنها (وقت الذروة).
الأب حامد وولديه احمد وسجاد حاولوا تلافي الأمر كله , بخروجهم بعد تلك الذروة , وقد استأذن من رئسيه في دائرة الطب العدلي , التي يعمل فيها , بعد ان ملئ استمارة الاذن بالانصراف , لغرض الذهاب إلى دائرة السفر والجنسية الكائنة , في قلب احد الأحياء الشعبية البائسة , لاستلام جوازاتهم بعد طول معاناة دامت أكثر من ثلاثة اشهر . الشابان , كانا يمنيان النفس بالسفر اسوة بباقي الناس للتمتع برؤية معالم (باب الحارة ) أو زيارة (مقام السيدة زينب ) في سوريا …
وطموحهما يمتد إلى نصف جيهان ( اصفهان ) حيث الجمال الذي ليس له مثال في مدن الدنيا الأخرى .
قال لهما الأب .. اسبقاني , وسألتحق بكم بعد أن اركن سيارتي في الزقاق المحاذي لبناية المديرية …. هيا انطلقا .
ولم يعلم انه بهذه ألجمله القصيرة قد ساقهما إلى الجحيم !
دقائق معدودات , حتى دوت أربعة انفجارات , هزت أضرحة المقدس , مزقت بسرعة البرق أكثر من 150 جسدا حيا دون أدنى رحمة , ليرتفع إلى عنان السماء نواح ممزوج بالدم لأرواح باتت تطوف في أثيرها لتختنق معها مئات الأمهات بالعبرة .
وجم الأب حامد !
يردد .. ولدي ..( راحو ولدي )
(ولدي ذبحوهم) !
تحامل على نفسه وراح يبحث , عن احمد أو سجاد بين الركام … تحت أجهزة الاستنساخ , عاد سريعا إلى مكان عمله في الطب العدلي , سيارات الإسعاف سبقته بنقل الجثث المتفحمة إلى ذلك المكان الثلجي . اخذ يقلب الجثث التي افترشت ارضية الثلاجة الكبيرة , اتكئ على بابها والعرق يتصبب من جبهته التي لطمها اكثر من مرة , وأئن أنينا خافتا ..ولم تقفز من ماقيه دمعة , لكنه ايقن ان ولديه في قائمة المفقودين !..

.. عند تلك اللحظة ضربت القوات الأمنية الطوق حول المكان وأطلقت الرصاص وشنت حملة اعتقالات واسعة النطاق وكالعادة يخرج للإعلام المرئي الجنرال ببزته الأنيقة ونياشينه ألمزيفه , ليقول بكل برود ..
– أيها الأخوة أنها بصمات القاعدة ..
( الرحمة للشهداء وهم في عليين ) !!
كان الازدحام شديدا أمام دائرة الطب العدلي في مستشفى الحسين التعليمي , تخرج منها جموع المشعين نعوش المنايا , واحدا تلو الأخر , وهم لايملكون الآ ترديد كلمات ( لا اله آلا … ) .
الى المساء , ولم تبقى إلا جثتين …
جلس أمامهما الاب حامد :
قلب الأولى ثم الثانية وحدث نفسه :
.. (مو ولدي ) !
.. (مو همه) انني أستطيع, تميز سجاد عن احمد , من أسنانهما الأمامية المتباعدة !..
جثث متفحمة غيرت الملامح وضاعت المعالم !
كانت يداه ترتجفان .. وهما تقتربان من جبهته التي غدت باردة تجمعت عندها حبات عرق ساخنة زادت من حيرته وحسرته , عندها افترش أرضية الثلاجة وأحس بحجم الضياع الكبير الذي فيه … خصوصا بعد مرور شهرين على فقدهما وهو على ذي الحال , كل صباح يرى الجثتين اللتين لم يستلهما احد !
ترى هل هم فعلا أبنائي ؟
احتمال وارد !
سأله احد أصدقاءه وكأنه يسمع حوار نفسه !
لم..لا ؟
– حاول وأنت حر في أمرك ! أجراء اختبار الحامض النووي للجثتين مع عينة من دمك !
ظل فاغر الفم … مسد لحيته الكثه التي بللها الدمع .. كان قادرا على البكاء !!
فكان القرار الفصل : بان يرسل للمختبر التخصصي وذمة من الجلد وخصلة شعر لكل منهما .
بعد مرور سبعة ايام علقت دائرة الطب العدلي , لافتة سوداء تعزي الموظف حامد بوفاة …..

Rate this item
(0 votes)

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية