بقلم : الروائي العراقي عيسى عبد الملك 

بالونات اختبار ... قصة قصيرة 
حينما تلبد الجو في البلاد وبدأت رائحة الطائفية تفوح، اقترح علي مضيفي الموصلي ان اقطع زيارتي . رافقني الى محطة الحافلات المتجهة نحو الجنوب ، بعد ترقب وانتظار ساعة، طلب من الركاب ان يصعدوا الباص .كنت الوحيد بلا رفيق او رفيقة: حتى تصل مشارف بغداد ،تظاهر بالخرس فاللهجة فضاحة والقتل على الهوية وفي الطريق مفاجئات ، همس بأذني مضيفي الذي كان خائفا عليّ واوصى بي سائق الحافلة خيرا .

اشار علي سائق الحافلة السمين البشوش ان اجلس في المقعد الذي يقع خلف مقصورته المحاطة بحاجز زجاجي ، قريبا من الشباك والباب. على يسار الباب جلست سيدتان من الموصل .كانتا في حدود الستين عليهما مسحة من جمال ملفت هادئ وعلامات نعمة.

بدت احداهن اكبر سنا قليلا واكثر مرحا. لها وجه ضاحك حتى وإن لم تضحك. جلبت انتباهي بل جذبتني بشدة فتابعتها من خلال مرآة السائق الكبيرة، ربما لإشغال نفسي برؤية ملامح الجمال بعيدا عن شبح الخوف والقلق الكئيبين أو ربما لتبديد السأم في طريق غاية في الطول . بذكاء لاحظت هي ذلك وصارت تبادلني النظرات وتطلق اشارات أمان . وكعادة سواق حافلات النقل البعيد وضع شريط اغنية موصلية :

{ خافي من رب السّما سمرا قتلتيني.}

كانت المرأة بكل حواسها منسجمة تماما مع الاغنية وتنظر اليّ عبر المرآة . كنت في عالم آخر .كان وجهي مثل قطعة صفيح . لم اعر اي انتباه للأغنية الجميلة المستفهمة ، بل رحت استعرض احداث عشرة ايام رائعة في الموصل في ضيافة صديقي الذي كان قد جرح في حرب الثمان سنين في البصرة ومكثت جنبه مراقبا حالته .كنت ازوره كل يوم تقريبا حتى شفي تماما وغادر المستشفى العسكري في البصرة ،وقبل أن اودعه على رصيف محطة القطار، كتب لي عنوان أهله . مثل حلم لذيذ مرت ايامي في الموصل . ياه !!


. انطلقت الحافلة ، بعد نصف ساعة ، فتحت تلك التي ترقبني حقيبة اخرجت كيسي كرزات بيد حانية وابتسامة مشرقة ، ناولتني واحدا واعطت رفيقتها الكيس الآخر. شكرتها بوضع يدي على صدري .
ــ لعله أخرس، سمعت صديقتها تقول ودار لغط حولي .حديثهن عني جلب انتباهي, أردت ان اعرف نهاية الجدل . عبر مرآة السائق الكبيرة العريضة، بين الاعجاب والتوجس تابعت حركات المرأتين. لا يمكن ان يكون لوجه داعشيّ هذا الاشراق الملائكي ، لا، لا يمكن !


انتبهت تلك التي تجلس قرب الشباك .نبهت صاحبتها .لنصف ساعة اشتبكت عيوننا الستة في معركة على سطح المرأة .عيون مستفسرة .لم اعر لمناظر الطبيعة انتباها ولا للقرى التي مرت بها الحافلة .بضحكة مرحة سمعت تلك التي تجلس قرب الشباك تقول، طير غريب ، شاغليه ببالون اختبار .وهو ما سأفعله اجابتها ضحكة . من ترمس انيق صبت لي تلك التي على يميني فنجان شاي قائلة تفضل ام ان هذا لا يعجبك ايضا,؟ وضعت يدي على صدري علامة شكر صحبتها بهزة رأس. علت وجهها الوردي علامة خيبة .واستها رفيقتها ودار هذا الحوار:
ــ الرجل ليس من الموصل ولا اظنه أخرس .
ــ ولا من صلاح الدين او الرمادي وان تزيّا بزيهم .
كنت البس دشداشة بيضاء وكوفية بيضاء وعقالا رفيعا .زي المناطق الغربية وعرب الشمال !.
ـــ والله لأعرفن سرّه.
قالت الكبيرة بإصرار. كنت لا احول عيني عن المرأة ذات الوجه البشوش رغم مرور ساعة,
ــ اطلقي بالون اختبار .!.
ــ. ثقي سأطلق بالونات ، قالت ذات الوجه البشوش .سأهزمه .ناوليني الحقيبة الحمراء .نهضت الثانية .تـأملت قوامها الممشوق . من رف الرزم انزلت حقيبة حمراء تحمل على الظهر .اخرجت قرص أغنية . طلبت من السائق تشغيله . لنغير الجو وننوع قالت ضاحكة . تأمرين اجاب السائق بمرح.


ما ان شغل السائق القرص حتى راحت عيون المرأتين تدرسان ردة فعلي .بالون فاشل .هو صخرة او ممثل محترف ، همست بأذن صاحبتها .اطلقي بالونا آخر. أخرجت كاسيت اغنية لعبد الحليم { قل لي حاجة} لم احفل بها. كدت اضحك حينما وضعت اغنية عبد الوهاب { يا وابور رايح على فين ؟ } رايح ع البصرة قلت مكلما نفسي بصوت خفيض . لم تستسلم ذات الوجه البشوش بعناد لذيذ واصرار كانت تكر علي بالأغاني .كان السائق بمرح يساندها بينما تكتفي الثانية بدراسة تعبير وجهي كلما وضع قرص اغنية جديدة .

تعطيها موقفا . عشرة اغان بدل السائق .لم تحد عيناي عن النظر الى وجه المرأة. لم تستسلم هي. بانت الخيبة على وجه البشوشة. ازددت اعجابا بها. بدت لي من النوع الذي لا يعرف اليأس .إذ صفقت بيديها وذكرت لرفيقتها اسم كاسيت .
ــ قولي صارت بالسلاح الابيض .؟ علقت رفيقتها .
ــ نعم ، بل هجوم كاسح والله سأحتله .قالت وجدح بريق اصرار غريب في عينيها اما وجهها فصار احمرا مثل لون خوخة ناضجة حتى خلت ان الدم سينبجس منه . نحن معكم قالت الثانية وانا ايضا قال سائق الحافلة ضاحكا !.
ــ اعتقد الآن لن يقاوم ،سيرفع الراية بعد سماع هذ الكاسيت ، قالت وهي تناول السائق قرصا غلّف بعناية ...تناول السائق الكاسيت .وضعه بأناة في فتحة مسجل السيارة وكانت المفاجأة لي حينما راح داخل حسن يزفر وجع الجنوب ببحته المحببة لي.
ـــ لقد ربحت الرهان سيدتي الفاضلة ، قلت واخرجت مسبحتي . رحت افركها بحرقة اردد مع داخل حسن { يمّه يا يمّه ،و ياك إدينه، تشابكت يا حيف !!؟}
والله عرفتك ، جنوبي تحمل قرونا من القهر والعذاب حتى لو تزيّت بزي أكراد أعرفك ،صاحت بانتصار مثل طفلة بريئة...

 

تمت بحمد الله 

بقلم القاص و الروائي عيسى عبد الملك 

 

 

Rate this item
(1 Vote)

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية