قصة شجرة التوت من  ضمن مجموعة لست أنا القصصية. ، نشرت عبر دار أكتب عام ٢٠١٠

بقلم الروائية و القاصة :عبير المعداوي 

صعد حمزة سلم العبارة وكل خطوة تجر معها إحباط خمسة وثلاثين عامًا وفشل في تحقيق حلم العمل.. فالعمل لم يعد حقًّا بل أصبح حلمًا.. حلم بحياة يجد بها قوت يومه.. من مال حلال نظيف يأكل من ثمره ويتزوج منه..
ومضى حمزة في خطواته، وكم كانت ثقيلة مثلما هي حياته الماضية، قبل أن يقرر سفره للخارج بعدما يئس من أن يجد مفتاح الفرج ويجد عملًا، وضنَّت الدنيا أن تُكسبه ولو بريق أمل.. حتى فقد الحب والأرض، ولم يبق في جيبه سوى خيبة الأمل والحزن بعد وفاة أمه..
وفجأة لاحت صورتها في مخيلته، فالتفت بظهره إلى الشاطئ، وهبت نسمة حزينة تناشده الرجوع، وتتوسل إليه بالعودة.. تهاتفه صارخة..
"هنا موطنك يا ولدي.. لماذا الرحيل؟"
ارتسمت ضحكة ساخرة على وجهه كأنما يقول:
"وكنت دومًا ابنًا مطيعًا لأمه.. فماذا أعطتني أمي.. سوى الانتظار المرير الذي لا نهاية له.. والإحباط واليأس الذي كاد يجرني لنيران التطرف أو التشرد الأخلاقي.. يا أمي.. إذا حرصتِ على ابنك.. كان عليك أن تحرصي على حقه في الحياة كإنسان.. كان عليك أن تمهِّدي له الطريق وهو يسعى.. لكن الابن سعى وكدَّ وتعب في سنوات الكفاح الطويلة، وبعدما انتهى وجد المفاجأة العظيمة أن لا مستقبل له ينتظره، بل عليه الانتظار في محطة القطار.. والقطار تأخَّر كثيرًا.. تأخَّر أكثر من خمسة عشر عامًا.. وظل الابن عاطلًا.. مخيَّب الآمال.. تأتي الأشياء وتذهب كالريح أمام وجهه وهو صامد.. لكن إلى متى سنظل صامدين.. صامتون منكسرون.. يا أمي لم أتمنَّ أكثر من عمل شريف يحافظ على قيمتي الإنسانية، يكسبني مالًا أفتح به بيتًا، وأزيِّنه بشريكة العمر؛ لنجلب أطفالًا رجال ونساء الغد.. لكن الدنيا وأنتِ معها تشاركتا في إهمالي وبيعي لهذا البحر.. أتعلمين يا أمي شيئًا.. إنني أشعر بأن في قاع البحر هناك مسكني الذي ينتظرني، وهذا هو مستقبلي..
سمع صوت أنين أمه تدعو الله له بالسلامة وتدعوه أن يعود عن رأيه ويرجع لتحتضنه.. فنظر حمزة لها بتعجب وسألها مصرًّا على رأيه:
"وهل بعودتي ستحلين مشاكلي وتهبين لي الحياة التي أُخِذت مني عنوة، وهذا المستقبل الذي مات قبل مولده".
صمتت الأم حزينة فريسة لأوجاع السنين أمام طموحات وأحلام المستقبل.. وتذكرت كم ناهضت الاستعمار والاحتلال لينهض موطنها ويعيش أبناؤها.. وجاء اليوم الذي خرج فيه الاحتلال من أرضها وحررت الحياة من وجهه القبيح، لكنها لم تكن تعلم أنه سيعود ثانية تحت غطاء السحب، فظل يتلاعب بمقدراتها وبمستقبل أبنائها، وضاع منها الحلم وسط حشود قافلات القمامة.. فأصبح عتيقًا تالفًا لا يصلح لشيء ولا يتحمل إنقاذ سفينة اليوم.. وظلت أمه حبيسة الصمت، والجرح ينزف، وترى بعينيها النهاية الحتمية للنوم الثقيل الأشبه بغيبوبة الموت.
فرت دمعة حارقة من عيني حمزة، وبسطت على وجهه عبرات من الألم والحيرة، وهمس مرددًا:
"لم يمت حلمك يا أمي.. فحلمك هو حلمي، وكيف لا ونحن اشتركنا في حفلة التقدم والنمو والرقي بأنفسنا وبوطننا الحبيب.. يا أمي أنا لم أفقد الحلم بعد، ولكني أبحث عن حقيقة هذا الحلم، فربما ما نفعله الآن هو أننا نرى الأمور بشكل خاطئ، ولهذا لا نستطيع أن نغير شيئًا أو نحصل على نتائج مُرْضِية.. وبسفري هذا أتخيل أنني سأحصل على الإجابة".
طوت أمه صفحات الأمل وسألته متحيرة..
"لست أدري يا بني عما تبحث عنه.. أي حقيقة تقصد؟"
"حقيقة الحلم.. حلمي بوطني الكبير الذي إن لفظ أحدهم أنفاسه يلحق أخاه بيد أبنائه لإنقاذهم.. ألم نتعلم في حياتنا أن موطننا ليس هذه الأرض المباركة فقط.. وأن وطننا الأصلي هو كبير جدًّا.. كبير القيمة والتاريخ والقرابة والدين...".
صمتت الأم كأنما تخفي وراءها جبلًا من الشكوك والارتياب بهذا الوطن الكبير.. وصوت بداخلها يسألها متى كنا وطنًا كبيرًا؟! وهل ما ردَّدته يومًا شعارات على شاشات التلفاز والجرائد اليومية وعلى محطات الإذاعات وعلى ترنيمات الموسيقى كان ينقل حقيقة أم خيالًا أم كذبة نلوكها في فمنا حتى تعفَّنت وأظهرت رائحتها الخبيثة؟!!
وتأمَّلته بنظرة طويلة وابتلعت داخلها الكلمات، خوفًا أن تفشي أصل الحقيقة التي تعرفها جيدًا، لكن مع هذا ظلت هذه الحقيقة الكاذبة هي كل أمل حمزة.. فلنجعله يجري وراءها، ربما ينسى جرح موطنه الأصلي، وربما تكون الحقيقة الواهمة هي بالفعل حقيقة صادقة.. من يدري.. ربما تتغير الأشياء وتصدق.
همس حمزة:
"أشعر بما يدور في رأسك يا أمي.. واعلمي أن الغربة هي في البعد عنك.. حتى ولو كنت تحت التراب نائمة.. فروحك للأبد معي.. لكني أعدك بأني سأفعل كل ما بوسعي لإنقاذ سفينتنا، وسأعود لك ومعي الخير الكثير.. ما زال هناك أمل لو صدق الأستاذ عماد المصري والشيخ شهرى في عرضهما لي..
"ألم يؤكد لي أستاذ عماد أني سأرتاح هناك في العمل معه؟ ولأنه مصري نزيه سوف يوصي بي عند الشيخ شهري، وسوف يرفع راتبي كل عام.. فلنترك للأمل مكانًا في قلوبنا يا أمي.. من يدري؟!"
وطوت السفينة مسافات الوقت والمكان ببطء شديد، إلى أن وصلت إلى الضفة الشرقية بعد اثنتي عشرة ساعة، وخرج حمزة من غرفته، وصعد على ظهر السفينة، وأول ما قابله نسمة حارة ملتهبة، وأشعة شمس حارقة يجري منها كل شيء حي، ويتفتت بسببها الصخر الأصم.. وفجأة سمع صوتًا قويًّا غليظًا من خلفه يصرخ به قائلًا:
"يا مصري.. تعال هنا.. أسرع وخذ حقائبك واذهب لعربة النقل التي تنتظرك أنت وباقي الإخوان".
لملم حمزة نفسه المبعثرة، وحزم حقائبه وأسرع مترجِّلًا خلف الرجل الذي يبدو مثل شهر أمشير، متقلب الوجه ساعة مرح وطيب وساعة خشن وفظ القلب وساعة بين هذا وذاك.. وأحس حمزة بقشعريرة في جسده خوفًا من القادم نحوه، لكنه أعاد صمام نفسه وانكب فوق خوفه بفكرة الاستسلام بروح رياضية.. فلا يجب أن يفكر بنفس الطريقة التي كان يفكر بها على أرض وطنه.. أليس هذا هو شرط معرفة الحقيقة؟!
واقترب الكفيل منه وسحب جواز سفره وهو يقول غاضبًا:
"من الآن هذا معي.. وهذه الورقة لتقرأها.. اقرأها جيدًا واعلم أن من يخالف هذه التعليمات في ديارنا لن يرى نور الشمس أبدًا.. فاهم ولا مو فاهم؟!"
هز حمزة رأسه متفهِّمًا بأدب لكلام كفيله الشيخ شهري وهو يتابع حركات وجهه، ويتمنى من قلبه لو يبتسم الشيخ أمامه بنفس الابتسامة الوضاءة المريحة للرائى مثل الملائكة، والتي اعتاد عليها في حديثه معه عندما عقد الاتفاق على العمل..
لكن الشيخ شهري.. أغلظ نظراته إليه وسحب أي علامة تشير إلى رفقة في المعاملة المتسامحة التي كثيرًا ما أشار إليها في حديثه معه..
كم من مرة قال:
"أنا أُعامل موظفيني مثل إخواني.. ولا فرق.. أنا أحسن معاملتهم، آكل معهم وأجالسهم ونذهب للعمرة سويًّا.. نحن عائلة كبيرة وليس صاحب عمل وعامل.. أليس كذلك يا أخ عماد؟ أنت مصري صالح الخُلق وتقول الحق دومًا؟"
تنحنح عماد بطيبة وأضاف:
"أصدق صدقك يا شيخ شهري.. حقًّا لم أر مثلك أبدًا في معاملته الطيبة الإنسانية مع موظفينه.. اطمئن يا حمزة أنت تعمل مع أكرم وأطيب رجل في الدنيا".
ومن ثم مال عماد على حمزة وقال:
"ما بك؟ قل كلمة حلوة للرجل.. ألا تريد الوظيفة وتحلم بها؟ أمثالك يقبلون الأيدي ولا يتمنَّعون هكذا ويسألون أسئلة كالتي تسألها.. بينما الرجل يبتسم ويتفاوض معك".
وكانت أول كذبة.. فالرجل لا يضحك ولا يبتسم.. وثاني المفارقات جَمَع جميع العاملين في شاحنة كبيرة بلا ستار من حر الشمس، وركب هو سيارته الفاخرة الواسعة المكيفة..
جلس حمزة بين رفاقه وهز رأسه بصمت كأنما يقرأ المستقبل قبل أن يبدأ أولى خطواته.. فسمع أحد الركاب يقول:
"هذا الرجل كذاب كبير.. أترى؟! لقد اتفقنا في العقد على ألفي ريال، والآن يقول إن راتبي في الشهر خمسمائة ريال فقط".
نظر له آخر باندهاش وقال هاتفًا:
"يا مصيبتي.. ترى أسيعمل معي كذلك؟ أنا عقدي مثل عقدك بألفي ريال أيضًا".
تدخَّل حمزة متنحنحًا وقال:
"يا أخي ما هي وظيفتك بالضبط؟"
"أنا فلاح يا سيدي".
نظر للآخر بنفس السؤال فأجاب..
"مثله.. فلاح".
وراح يسأل الباقين فوجد نفسه الشخص الوحيد المؤهَّل جامعيًّا والباقون إما تعليم متوسط أي موظفون أو عمال وفلاحون.. واقترب منه أحدهم، وكان صامتًا طوال الحديث وقال:
"لا تخف.. كلنا هنا في الهوا سوا".
وقع حمزة بعينه عليه وتأمله مليًّا ليتعرف على صاحب الصوت الذي يسمعه لأول مرة فضحك الرجل ضحكة عالية وأضاف قائلًا:
"من الواضح أنك خريج جامعة وأنا مثلك.. خريج كلية الآداب قسم اجتماع، والشيخ شهري مع الأستاذ عماد رأيا أن أنسب مكان لي هو بين الحيوانات في مزرعته..".
توقف الرجل عن الكلام وانفجر ضاحكًا وعيناه تدمعان، ثم أضاف متعثِّرا في كلامه:
"يا لله!! أليس أصل الإنسان في الأساس حيوان.. وأنا فشلت في أن أجد عملًا في بلدي يناسب تخصصي.. على الأقل وفَّره لي الشيخ شهري ربنا يكثِّر خيره.. وفي النهاية كله علم اجتماع مع إنسان أو حيوان..".
توقَّف الرجل فجأة عن الكلام والضحك وعاد للصمت وحمزة يتابعه بنظرات حائرة متسائلة...
هل سيفعل الشيخ شهري معي كما فعل معه؟ وطل عليه السؤال بسؤال أكبر... هل سأتحمل أن أعمل في شيء غير مؤهلي؟!
ظلت الأسئلة عالقة حتى توقفت الشاحنة وسط الصحراء في دوحة كبيرة خضراء مليئة بالأشجار العالية والنباتات الملونة، وفي آخر الجانب منها تنطلق أصوات الماشية تناشد السامعين بالرحيل أو بالحرية..
وأحس حمزة رغم الحر القاتل بأنه عاد أدراجه لمصر، وهذه الأشجار العملاقة التي تحتضن المرزعة تماثل أشجار الأكاسيا التي كانت تحضن بيته يومًا.. وهبط العاملون.. ووجد الشيخ شهري فرصته لافتراس العمال، فأخذ يسبهم ويقذف بحمم وبراكين غضب الصحراء كلها في وجوه الناس دون سبب أو علة واضحة سوى مبدأ واحد.. هو أن يفرض سيطرته عليهم من أول لحظة، ويفهمهم أن داخل مزرعته قوانين وشرائع يجب أن تتبع بالقوة والحزم وإلا.. سيقابل العامل بسيل من لهيب الجحيم ويتمنى الموت ولن يأتيه.. وأخذ الرجل يصف لهم حال بعض العمال الذين خالفوا قوانينه، وأخذ يسرد قصة المعاناة حتى جاءتهم المنية، وإلى الآن تملأ جثثهم ثلاجات المستشفيات دون أن يستدل أحد عليهم أو يطلب تسليم جثته ليدفن.. وفتح الأستاذ عماد المصري باب الحجرة وقال:
"هذه غرفتكم للاستراحة".
نظر حمزة للحجرة ثم التفت إليه متسائلًا..
"هذه الغرفة لمن بالضبط؟"
صاح الرجل فيه بقوة وشيطان النار يقفز من عينيه وقال:
"هذه الغرفة لكم جميعًا.. هل هناك سؤال آخر؟"
اغتاظ حمزة من الرجل الكاذب الشيطان في صورة الملاك، هذا أفضل وصف له.. كيف نجح في رسم صورة الرجل الصالح أمامه أول أمس، وكيف هي صورته الآن.. فقال حمزة باقتضاب وحزم:
"لكنك ذكرت في العقد أن لي سكنًا خاصًّا بي وسيارة تنقلني".
قاطعه الرجل مستنكرًا كلامه وراح يسخر منه قائلًا:
"من هذا الذي يحدثني؟! الصغير العويل.. انظر يا رجل.. أنت هنا الآن بين يدي، وجواز سفرك مع الشيخ شهري؛ فالزم الأدب ولا تسأل عن شيء، وإن كنت غاضبًا ابحث عمن يساعدك".
أدرك حمزة زميله الرجل الصامت وقال بتلعثم:
"يا شيخ شهري ويا أستاذ عماد أنتما رجلان طيبان.. وحمزة لم يقصد.. أنتما تعلمان أنه جديد.. والأيام ستعلمه.. سامحه الله يبارك فيك يا شيخ شهري".
نظر حمزة بذهول للرجل وكيف يطلب من الكاذب العفو والسماح.. فغمزه زميله ونظر بابتسامة عريضة للشيخ وهب ملتقطًا حقيبة حمزة وسحبه لداخل الغرفة وهو يقول:
"خلاص يا شيخ.. حمزة سيقعد معي.. أليس كذلك يا حمزة؟"
وأخذ يغمز له بعينيه حتى استسلم وقال:
"حصل خير.. حصل خير".
لكن الشيخ شهري لم يصمت، بل صاح في حمزة مهددًا ومتوعدًا..
"انظر يا مصري.. انسَ العقد.. انس كل شيء.. وتذكَّر شيئًا واحدًا، إنك من اليوم عامل عندي وتحت كفالتي وإياك والضجر وكثرة الكلام.. أنت هنا للعمل فقط مفهوم؟"
توقف برهة ثم نظر لباقي العمال وقال:
"أنا أعلم جيدًا أن المصريين لسانهم طويل لكن افهموا أني أستطيع قطعه".
تأكد حمزة من سوء هذا الرجل، وها هى الوظيفة تتغير بقدرة قادر من مشرف معمل لعامل لحلب الأبقار، ومن راتب ألفي ريال إلى خمسمائة ريال.. واصرخ أيها المصرى أو لا تصرخ لن ينقذك أحد من قبضة كفيلك.. فهو يظن نفسه إلهًا فوق الأرض، بينما سفارتك ليس بيدها شيء تعمله معك، بل ربما تأتي على حساب حقك لأجل الأُخُوَّة والعلاقة الطيبة، ومن الآخر الزم الصمت وعش مثل العبد المسخَّر لخدمة الكفيل ونيران لهيب لسانه السليط وقوانينه الحادة كحد السيف..
واستسلم حمزة موافقًا لمشيئة الكفيل.. وماذا بها وظيفة عامل؟ إنها أفضل بكثير من جلسته بلا عمل.. وهل وجد عملًا في بلده وتنكَّر لها؟ إذن عليه الرضوخ لأوامره، وأن يقبل بنقضه للعقد وبالراتب الصغير والسكن الجماعي والعمل اثنتي عشرة ساعة..
ومضت الأيام ثقيلة كالدهر، لكنه استطاع أن يقيم صداقة قوية مع زميله الصامت والذي يُدعى جمال.. وبات كلاهما لا يفترقان، ويصبِّران بعضهما على التعب وسوء المعاملة والظلم الذي لا مثيل له.
وذات يوم جاء حمزة وقال:
"ابتسم يا أخي عندي مفاجاة كبيرة لك.. أقدم لك الأخ عبد الله وأخيه وليد.. سيعملان معنا في المزرعة من اليوم".
نظر حمزة بذهول لكليهما وابتلع ريقه في صمت، فقال وليد وهو الأخ الأصغر لعبد الله:
"ما بك يا رجل ألن تسلم علينا؟"
أجاب حمزة متلعثمًا وقال بحرج:
"أعتذر لقد أكلت المفأجاة لساني.. هل لي أن أسألك عن جنسيتك؟ هل أنتما سعوديان؟"
ضحك عبد الله وضم كتفه وقال:
"أهذا ما يذهلك؟ أجل نحن سعوديان نعمل عند الشيخ شهرى".
تأملهما حمزة في صمت وقبل أن يستطرد في كلامه قال وليد:
"عندما يأتي عليك الزمن توقَّع أنك ستأتي وستعمل لدى الشيخ شهري".
ابتسم حمزة وسلّم على كليهما ورحب بهما:
"أهلًا وسهلًا بكما في بيتكما، وهل يجوز لمثلي أن يستضيف صاحب البيت".
تبادل الأخوان نظرة مرحة، ثم ما لبثا إلا وانفجرا بالضحك وقال عبد الله:
" انظر يا أخي، نحن عمال عند الشيخ شهري، ومثلنا مثلك لا يفرقنا عنك إلا إننا سعوديان وأنت مصري".
صمت حمزة بينما يلوك الفكرة في رأسه ويقول في نفسه:
"ترى هل سيعاملهم الشيخ الشهري مثلما يعاملنا؟"
وقبل أن يستيقظ من غفوته وجد السؤال على لسان صديقه جمال الذي أجاب :
" الشيخ شهري له صديق واحد يعشقه، هو الوحيد من يعامله معاملة طيبة.. المال.. أجل المال.. ولا تتعجب إن قلت لك إنه قد عمل معنا كثير من السعوديين قبل وليد وعبد الله، وجميعهم لم يتحملوا معاملته الفظة الغليظة.. ربما تظن أنه يعاملك هكذا لأنك مصري.. أبدًا.. بل هذا هو أسلوبه مع الجميع".
تدخَّل وليد وقال:
"نحن شباب عاطل منذ مدة وبحثنا عن عمل في أي شيء.. أنا تخرجت من البكالوريا وكذلك أخي منذ ثلاث سنوات، وتخيل أننا لم نجد في بلادنا أي عمل يناسبنا في الوقت الذي يستعينون فيه بعمالة خارجية، تأتي محلنا ويعملون عملنا ويكسبون أرزاقنا وبعدها يلوموننا على الفشل والتخلف، بل إنك لو سألت صاحب العمل لم لا توظف سعودي؟ سيجيبك ويقول: "السعودى لم يُخلق للعمل، بل خلق لجلسات السوالف تحت الخيام، وبالكثير يعمل مديرًا فاشلًا". صدقنى يا حمزة لست وحدك من تعاني ظلم البطالة في بلدك بل نحن أيضًا، والسبب مجهول".
هز حمزة رأسه في أسى وقال:
"وطننا الكبير يعاني أبناؤه من نفس الأمراض والأوجاع.. تُرى متى ستزول الغمة عنا، متى نكون خير أمة أخرجت للناس بينما ما زال بيننا شخص مثل الشيخ شهري وأستاذ عماد؟"
تدخَّل زميله:
"يا لله يا حمزة.. لا تفكر كثيرًا في تلك الأشياء لأنك ستتعب.. ثم عندي لك مفاجاة أخرى، الشيخ - أرضاه الله - وافق على اصطحابنا لمطعم في البلدة الكبيرة".
ابتسم حمزه بسخرية وقال:
"يا له من كرم يا عم جمال.. الكفيل يدعونا للغداء في مطعم!!"
"ليس هذا بالضبط.. لكن الموضوع أن صاحب المطعم رجل لبناني عنده بعض الأشغال في المطعم ومحتاج لعمال.. والشيخ شهري أخذنا نعمل له هذا الشغل".
نظر حمزة لجمال بتعجب وقال:
"والله الشيخ شهري طيب.. وهل يقوم بتلك المجاملة بدون مقابل".
"أنت لم تفهمنى جيدًا.. مثلما قلت لك إن صاحب المطعم لبناني وله مصالح كثيرة مع الشيخ شهري".
تنفَّس حمزة بقوة متعجبًا من دائرة الزمن.. كيف كان المصريون من ثلاثين عامًا وكيف هم الآن؟!!
وسحبهم الكفيل بلا رحمة للعمل من الصباح حتى المساء دون أي اعتراض.. ومن يستطيع أن يعترض وهم في سجن دائم وهذا العمل الحقير ما زال يمثل الأمل..
وبعد أن انتهى حمزة جلس تحت شجرة يلتقط أنفاسه ويستجمع قواه بعد يوم قاسٍ.. ورفع عينه ليرى سيارة كبيرة تعترض الطريق وتقف باتجاهه مباشرة والشيخ شهري يجري بسرعة نحوها ويلتقط يد الرجل الذي نزل منها بسعادة كبيرة.. وعادت الابتسامة الوضاءة لوجه الرجل والنور الذي يملأ وجهه ويكذب ويخدع الناس به.. فستار الرجل الصالح المؤمن هو أفضل ستار لتخفي شيطان الإنسان الرذيل.. وجلس الرجلان على مقربة من حمزة، وسمع حديثهما وترحاب الشيخ شهري به، وراح يردد شعارات الترحيب والسعادة بقدومه..
"والله يا أخ إياد أنت شرفتنا اليوم برؤيتك وباركت المدينة والديار كلها بزيارتك..".
"شو ها الحكي يا شيخ شهري.. هذي الديار دياري وهذا الوطن وطني.. ولبنان ما عمرت إلا بأمثالك باركك الله يا شيخ.. وعلى فكرة أنت مدعو عندنا الأسبوع المقبل إن شاء الله في بيتك الثاني بلبنان.. نحن وطن واحد وأرض واحدة..".
"إن شاء الله.. وما الأخبار عندك؟"
"والله يا شيخ منتظرينك تكمل المشروع ويعم الخير علينا".
"إن شاء الله، والله أنا مشتاق كثير لأهل لبنان الحلوين ولأكلهم الأحلى ولا البحر والكورنيش".
"تشرَّفنا يا شيخ.. بالمناسبة عندي طلب منك يا شيخ ربنا يبارك فيك".
"إيش تطلب؟ والله من عيني دي وعيني دي سداد لأوامرك؟"
"عندي ثلاثة شباب في حاجة للتوظيف.. فقلت ما في غير الشيخ شهري عنده الحل".
"أكيد.. ووظائفهم عندي.. لا تُقْلِق بالك".
"ألن تسأل بداية عن أعمالهم وتخصصهم؟"
"أسأل؟ كيف هذا؟.. اللبناني مدير.. الله خلقه مديرًا".
"يا شيخ شهري.. تأكَّد الأول هؤلاء الشباب ليسوا متعلمين كفاية".
"يا أخ إياد كفاية إنهم من ريحتك..".
نظر له الرجل بتمعُّن وأضاف مؤكدًا:
"يا شيخ.. يعني لن تعمل معهم مثل ما تعمل مع المصريين؟"
تأوَّه الشيخ شهري بقوة وقال:
"يا أخ إياد باركك الله.. أين هؤلاء المصريون من هؤلاء الشباب! والله لأجل عيونك قبلما تغادر الديار لترى بعينيك عقود عملهم ومكان وظائفهم وسكنهم ولا تحمل همًّا أبدًا، والله لأفرش سكنهم أحسن أثاث أمريكي أصلي ومرحبًا بهم في أرضنا وبين إخوتهم..".
ضحك الأخ إياد بفرح وأضاف:
"والله يا شيخ كلما تكلمت معك أتذكر زمان وأيام زمان.. عندما كان المصري مثل الجنيه الذهب، واليوم أترى ما صار لحاله؟"
وأشار بيده لحمزة ووقع بنظره عليه وعلى ملابسه الرثة وحالته التعسة، وتلاقت العيون بين نظرة الشفقة ونظرة الاندهاش.. والتي استفزَّت حمزة للثورة.
وأجاب الشيخ شهرى وهو ينظر بفخر لحمزة ويقول:
"والله يا أخ إياد هؤلاء المصريين هم سبب كارثة الأمة العربية.. وعليهم الآن أن يحمدوا الله لأننا نأتي بهم ونشغِّلهم عندنا، والله ولا يحلمون بهذه الوظيفة في بلادهم.. الحقيقة إنهم ناس كمالة عدد.. تعرف يا أخ إياد..أنا غالبًا ما أظن بأن المصريين من كثرة عددهم أشبه بالبهائم.. ولو البهيم له وظيفة غير أكله سيكون للمصري قيمة..".
فز حمزة من مجلسه وقفز فوق الشيخ شهري وهبط عليه بركلات في وجهه حتى نزف الرجل من أنفه، وتجمع الناس من حوله في محاولة تهدئته أو سحب الشيخ شهري من تحته، لكن دون جدوى، جلس حمزة فوقه وصاح بصوت عال:
"انظر الآن من هو البهيم.. يا بهيم.. المصريون بهائم؟ طيب خذ".
وأخذ يطيح به حتى فقد الرجل وعيه ونظر حمزة للأخ إياد وقال بشفقة:
"اليوم لك.. غدًا عليك.. أحذرك أن تنسى هذه النصيحة.. وتذكَّر أن المصري كرامته من كرامة مصر أم الدنيا والعرب معًا.. مصر التي فتحت أبوابها وجامعاتها وخيراتها لكل العرب.. أخيرًا جاء اليوم الذى تُهان فيه ويهان ابنها على يد أخيه".
لف عبد الله ذراعه حوله وسحبه بقوة من مكانه فنظر له حمزة بغضب وللآخرين:
"نحن السبب يا عبد الله.. كنت تقول منذ قليل سبب البطالة مجهول.. هذا خطأ.. انظر لهذا الحقير معدوم الضمير والمروءة والنخوة العربية، هذا مثله مثل كثيرين يملأون بلادنا العربية ويتحكمون في أرزاق الناس.. لقد هربت من أمثاله في مصر، فإذا بي أجد نفس النوع في السعودية.
لكن في النهاية نحن السبب.. انتهى الأمر يا عبد الله وانكشفت الحقيقة المخزية أن الوطن الكبير ليس أكبر من محافظات مصر.. والفساد الذي تعاني منه مصر هو ذاته الضياع الذي يعاني منه باقي الدول العربية.. أجل لقد ضعنا عندما تغيرت الشهامة العربية وحلت محلها القيم المادية.. من يملك المال فهو السيد بينما الفقير لا قيمة له، ونسي الغني أنه لم يكن هكذا لولا تضافر إخوته معه، لكن حتمًا هناك أمل..".
وتوقَّف ونظر للوجوه التي تحيط به واليأس يرسم لوحة بائسة على وجوههم.. وكأنما يقولون:
"أي أمل تتكلم عنه.. متى ستعيش الواقع يا حمزة؟ الحقيقة هي الواقع.. والواقع يقول إن الأمة العربية باتت دولًا صغيرة ممزقة تتنازع مع بعضها حول خداع الأفضلية.. بينما لم يعد بينهم الأفضل.. لقد تلاشوا وانتهوا كما انتهت فلسطين المحتلة.. وهل تستطيع أن تخرجها من فم الأسد؟"
وفجأة أحس بيد تربَّت على يده ووجهٌ حزين يتجه إليه ويقول:
"والله يا أخي لقد صدقت.. نحن من ترك الشر يعيش بيننا ويتنفس حتى طغى الفساد كالطوفان في كل شيء".
تأمَّل حمزة والمحيطون به الرجل الذي يتكلم بكل هذا العقل وبهذا الضمير الواعي المتيقِّظ فما كان سوى ضابط للشرطة، جاء لينهي الصراع بين حمزة وكفيله وليقذف بحمزة في سجن المدينة..
تنحنح الضابط ثانية وأضاف:
"نحن تعلمنا في جامعات مصرية.. وفتحت لنا مصر أبوابها بترحاب وحب بلا مقابل.. هل سمعت يومًا عن التكية المصرية والتي كانت تأتي بالخيرات لزوار بيت الله.. كنتم يومًا بلدًا عريقًا وستظل يا أخي مصر دومًا بلدًا عريقًا.. لكن عليكم أيها المصريون أن تعوا الدرس جيدًا.. يا أخي لو رضيت أن تعمل بهذا العمل الحقير في بلدك لما كان حالك هكذا الآن.. العلم يكمل العمل ولو كان بسيطًا، هذا ما تعلمته من مصر.. المستقبل هو أن تعود لوطنك وراجع أخطاءك وأخطاء أبائك ولا تستسلم.. ويوم أن تعود مصر لمجدها، ستجد كل هؤلاء يتوجهون لها وينشدون في حقها وسيكون بينهم هذا الكفيل الكذاب الذي يسيء إلى بلده ونفسه قبل أن يسيء إليكم بمعاملته السيئة".
دمعت عينا حمزة وأحس بأن الأرض تتزلزل من تحت قدميه ونظر لوجه الرجل الناصح.. كيف يقارَن بهذا الخسيس الوضيع.. كلاهما من بلد واحد لكن أي فرق بينهما؟! هذا الإنسان العربي يدفعه لأن يكمل الصورة لتكون حقيقة الوطن الكبير واقعًا نعيشه وليس حلمًا كاذبًا.
أما هذا الكفيل.. وهو رجلٌ يهرب منه الجن قبل الإنس، إنه لا ينتمي لأحد سوى لنفسه وبسببه تخسر الأمم وتتفرق ويسود الظلام والشقاق بين الأشقاء..
وحزم حمزة حاله على الرحيل والعودة للديار والعمل هناك في أي شيء وبأي شكل فكل هذا لا يهم..
لكن الأهم هو أن يعود..
وصعد سلم العبارة ثانية وهذه المرة كانت خطواته أسرع وماضيه المؤلم وذكرياته التعسة في تجربته الأخيرة تدفعه بقوة للعودة وللتغيير.. ودعا الله أن تكون رحلة العودة سريعة.. وأطل بعينيه على البحر الواسع وتخيل معه لمعة مصابيح الشاطئ الآخر بعدما أدركه الظلام، وتذكر شجرة التوت التي كان يقضي تحتها الساعات وهو يذاكر ويحلم.. كم كانت شجرة فريدة من نوعها ورغم تشابه الشجر بظلها لكنها كانت أكرمهم وأغناهم في العطاء والحب، كانت تسع الجميع ممن يحب أن يستظل بها.. أو أن يُطعم من ثمرها الطيب.. ولكن ما أفجع تذكره عندما شاخت وهزمها الزمن فبات على أهل الحي اقتلاعها، لكنه أصر على زرع شجرة توت أخرى مكانها، وتعاون أبناء الحى في زرعها وريها...
ونزل حمزة من العبارة ومع أول خطوة له على أرض الميناء.. قُبض عليه.. واختفى بين أمواج البحر الغادر.. وتلاشى بين صفوف المنتظرين لميلاد حلم جديد يضيء شمعة بحر مظلم.

Rate this item
(1 Vote)