بقلم الروائي و القاص الكبير |طنطاوي عبدالحميد طنطاوي 

  القصة القصيرة  مطلوب أفضل جحش

-------------------

  • 1 –

ضوضاء غريبة ... صياح أطفال ... مناد صوته يفوق الجميع قوة ، ينتهي من النداء فيعم الصمت الجميع ، يتسمر الأهالي في أماكنهم ، أمام المنازل ، فوق المصاطب ، يطلبون من الصبية أن يصمتوا حتي يتأكدوا مما تسمع آذانهم ، يعود المنادي من جديد :

( يا خلق يا هووه ... الصاحيين يبلغوا النايمين ....حمارة العمدة طالبة العشار ... والجحش اللي هتقع عليه العين ، صاحبه هيقبض عشر تلاف جنيه بالكمال والتمام !!!! الحاضر يبلغ الغايب ، يا خلق يا هووه ....)

النداء يتردد ، العيون لا تصدق ، تلتمس المعونة في عيون الآخرين ، تتقابل ، تتساءل في صمت ، يعود المنادي من جديد ليؤكد حقيقة الجائزة الكبري ... الكلاب صامتة وكأنها تنعي حظها ..!!! متي يجيئ الدور عليها ... ؟؟؟

                                 -2 –

حُدد الموعد ، بعد شهر كامل من تاريخ الإعلان ، استراحت ذكور الحمير من عناء العمل الشاق ، أكلت ما تشتهي ، ما حُرمت منه منذ ولادتها ، لم يتوقف الأمر علي الطعام فحسب ، كثيرون من أصحاب الحمير ذهبوا خلسة إلي الشيخ عبدالباسط ليصنع لهم تمائم وتعاويذ تقي حميرهم الحسد , أمام هباتهم التي قدموها له صنع الأحجبة للحمير وهو يلعنهم ، غير أنه ما لبث أن صنع تعويذة حقيقية لحماره ، ليقوق الجميع ، و يحظي بشرف الانتساب لزريبة العمدة ، فلم يركبه ، ولم يرهقه في ترحال ، وأكثر له من العلف والفول والشعير .

                                - 3 –

طوال الليل ... ونهيق الحمير لا ينقطع ! ضجيج لم تألفه البلدة من قبل ، استردت الحمير عافيتها ، لم تعد تتمرغ في التراب ، بل سحبها أصحابها قسرا إلي الترعة ، وغسلوها بالصابون أبو ريحة! تقبل الناس حمل أمتعتهم وأطفالهم بكل سرور ليريحوا حميرهم ، ازداد دلال الحمير ، أصبحت تمتنع عن أي طعام يُقدم إليها إلا ما تشتهي ، تمردت علي وضعها المألوف فصارت تضرب بخلفيتها وتثور وتعض ، تعتدي علي الحيوانات الأليفة الأخري ، وأصحابها يتحملونها ، فالغد بآماله مرهون بالحمير ، وبقدرتها !!!

                            - 4 –

بعد أيام عاد صوت المنادي من جديد يخترق الجدران والآذان ، لكنه هذه المرة كان يعلن عن مكافأة لأفضل حمارة في البلد كلها ، فالعمدة يطمع في بغل قوي من نسل حصانه القوي والشديد البأس ، ولو حدث تزاوج بين حصانه وحمارة قوية فإن الناتج سيكون بغلا عفيا لا مثيل له في كل القري المجاورة !!!

أصاب الناس الذهول ، هوي الخبر فوق رءوسهم ، أسرعوا بالاهتمام بإناث الحمير ، كل منهم يلبي طلباتها ، توقف سير العمل في الأرض ، تحملوا هم أكثر في سبيل أن تنال الحمير – ذكورا وإناث – قسطا وافراً من الراحة ، تكاسل الأبناء عن المدرسة فلم يسألهم ذووهم ، عاشوا في انتظار غد يأتي لهم بالجائزة الكبري ، راودتهم الأحلام ، أقاموا في خيالهم موائد عامرة بأمانيهم المقهورة !!!!

                           - 5 –

مضي الشهر بكامله ، الكل يترقب ... لم يعلن بيت العمدة عن موعد العرض لاختيار الجحش والحمارة الفائزين ... ترددت الشائعات : البعض قال بأن " حمارة العمدة أصابها المرض " ... البعض الآخر نفي تلك الإشاعة وقال " إنها بلغت سن اليأس " ، ولن تستطيع العشار ، عاد السؤال عن حالة الحصان أيضا ، وجاءت الإجابات غريبة :" الحصان متعال ويرفض الزواج من حمارة من الرعاع " ... " الحصان أصابه الإحباط منذ أقام علاقة بفرس شيخ البلد ، واكتشف أنه ضعيف جنسيا ، ومن يومها وهو يعاني " ورغم كل تلك الشائعات فقد ظل الجميع ينتظر !!!

ذات مساء خرج عليهم نائب العمدة وطمأنهم أن الأمور تسير علي ما يرام ، وإنه إن لم يكن اليوم فغدا أو بعد غد أو الشهر القادم ... أو العام القادم ، يبتلع أصحاب الحمير أحلامهم ، كل منهم يخشي الآخر ، يأخذ حذره ، يحجب حمارته أو جحشه عن العيون .

                              - 6-

تزايد الهمس الحذر ... مضي ما يقارب ستة اشهر والحمير ترتع في النعيم والدعة وليس هناك حس أو خبر عن الموعد المحدد !!

أيام قليلة وعاود المنادي طوافه يبشر أهل القرية برفع قيمة المكافأة للجحش أو الحمارة إلي خمسين ألف جنيه !!! أحيت البشري في نفوسهم الأمل من جديد ، زادوا من اهتمامهم بحميرهم ، حاولت بعض القري المجاورة أن تشترك في المسابقة ، قامت المظاهرات ، وطافت بدروب القرية وحتي حدود القري المجاورة ، ونادوا بأعلي أصواتهم بأعلي أصواتهم بأن حميرهم هي أولي !! أمام رغبتهم وافق العمدة علي أن تقتصر المسابقة علي حمير البلدة فحسب ، عندها تعالت هتافاتهم وانطلقت حناجرهم تدعو له ولحمارته وحصانه بطول العمر .

                            - 7 –

صحا الناس علي خبر غريب ، لم يصدق أحد ، رعم أن نائب العمدة قد أعلنه علي الملأ وهو يبكي ، احتشد الناس حوله وهو يخبرهم بأن حمارة العمدة قد وصلت لسن اليأس ، ولم يفلح الأطباء في معالجتها طوال الفترة الماضية ، أما الفرس فإن حالته النفسية قد ساءت وعافت نفسه الطعام والشراب ، ولم يعد يجدي معه علاج .

                            - 8 –

أمام الجموع المحتشدة ، أقسم العمدة أن هناك فرصا أخري .... وأن الغد سوف يحمل لهم بشري أكبر ... !!!                                                                                  

Rate this item
(1 Vote)
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…