بقلم السفير أ.د. محمد نعمان جلال

 

كثيرا ما يبدع الروائيون وكتاب الرواية  في اختيار العناوين التي تعبر عن الأحداث الاجتماعية أو السياسية لبلادهم .ولقد أثارت اهتمامي

 

رواية الروائية عبير رأفت المعداوي بعنوان " أحضان الشوك"وهي تتناول العلاقات الاجتماعية بين أبناء وبنات الطبقة المتوسطة فالبطلة خريجة الآثار والبطل طبيب وكلاهما ينتمي إلي أسرة ميسورة  الحال في حدود تلك الطبقة المتوسطة وبينما أسرة الفتاة تتسم بالمحافظة الشديدة الذي

تقترب من القسوة علي أفرادها وخاصة تجاه الفتاة فإن أسرة الطبيب كانت أكثر انفتاحا في علاقاتها الاجتماعية كما أن

الطبيب أكثر تجاوزا عن الحدود المألوفة في علاقاته بالجنس الأخر ، وقد سعت أسرة الفتاة لتزويجها من الطبيب ولكن

الفتاة غير راغبة في مثل هذا الزواج لسلوك الطبيب وسمعته وعلاقاته مع الجنس الآخر . وأيضا تحت تأثير قراءتها  لشاعر فرنسي تفيض قصائده بالحب والحنان والرومانسية وعاشت الفتاة في أحلامها وربما أيضا أوهامها مع شاعرها المفضل ولكن أمها سعت  مرارا لإقناعها بالزواج من الطبيب وفي كل مرة ترفض الفتاة ولكن للأسف انتهي الأمر بإجبارها علي الزواج من الطبيب لوسامته علي حد تعبير أسرتها ولثراء أسرته  واضطرت الفتاة للقبول علي مضض وأصبح الزواج أمرا واقعا مفروضا بصورته التقليدية ، وفوجئت الفتاة بوحشية الطبيب وضربه لها وأهانتها واستخدام العنف  حتى في علاقاته الجنسية معها وأنجبت طفل وطفلة من هذا الزواج علي أمل أن يؤدي ذلك لاحترام زوجها لها أو مراعاته لمشاعرها أمام طفليها ولكن للأسف ازداد عنفا وتشددا ووحشية لتدمير شخصيتها بالإقلال من جانب أنوثتها وجمالها وبعد وفاة والديها في حادث سيارة عادت لمصر مع طفليها وذهبت لعمها  الرجل الطيب الذي كانت تلجأ إليه كلما واجهت صعوبات تطلب منه النصيحة  لما حدث من والدها بكتابة كل ثروته لزوجته الثانية ، ولعنف زوجها معها ،فنصحها بالاهتمام بأنوثتها وجمالها والتعامل برقة مع زوجها  وكانت سافرت معه إلي الخارج ولكنها عادت قبله مع أطفالها لرعايتهم ثم عاد بعدها بفترة واكتشفت أنه فصل من عمله لعلاقاته الجنسية غير الشرعية ، وكانت  في فترة غياب زوجها ووجودها مع أطفالها تستمع لنصيحة عمها الذي شجعها علي إنشاء مكتبة لإثبات قدرتها علي الإبداع والمبادرة والتعامل مع الناس والكسب المشروع من عملها، ولما عاد زوجها من الخارج وحاول التعامل معها بنفس أسلوبه العنيف الوحشي وجدها تغيرت وأصبحت لها شخصية قوية  . وفي احدي المناسبات الثقافية فوجئت الفتاة بفتي أحلامها الشاعر الفرنسي الرومانسي وتسمرت عينيها عليه فلاحظ ذلك ، وهو علي المنصة وتلاقت العيون وارتفعت نبضات ودقات كل قلب منهما . وهكذا حدث التغير في العلاقات الاجتماعية بين الزوج والزوج واستردت الفتاة أحلامها

وثقتها بنفسها ولكن ما تزال تعاني من وحشية زوجها وتفرح للظهور المفاجئ لفتي أحلامها الرومانسية .

 

تلك باختصار شديد بعض أهم أحداث هذه الرواية التي ليست بالطويلة ولا هي بالقصيرة ومن حلاوتها في اللغة وسلاسة التعبير وانسيابيته لا يستطيع المرء   تركها قبل أن ينتهي منها بصورة كاملة.وهذا من إبداع الكاتبة ومن تمكنها من ناصية اللغة والأسلوب. وأيضا واقعية القصة وأحداثها التي يتعرض لها كثير من الشباب والشابات خاصة في الزمن الماضي. ونسوق عددا من الملاحظات رغم أنني لست خبيرا ولا متخصصا في الأدب ولا في النقد الأدبي وإنما هي ملاحظات قارئ ينتمي إلي عامة الناس من المثقفين غير المتخصصين.

الملاحظة الأولي

 

إن الكاتبة أبدعت في تحليل الأوضاع الاجتماعية والعلاقات والسلوكيات بين أبناء الطبقة المتوسطة في المدينة المصرية أو في الأحياء التي تقيم بها مثل هذه الطبقة وهي علاقات متناقضة وكذلك السلوكيات حيث التمييز بين المرأة والرجل ليس في المجتمع بل وأيضا داخل أسرة كل منهما  إذ نلمس مصادرة أبسط حقوق المرأة وفي مقدمتها حقها في اختيار شريك حياتها ورغم الرفض فإن الطبيعة المحافظة للمجتمع المصري في النصف الأول من القرن العشرين وربما حتى نهايته تجعل الفتاة  ترضخ لإرادة أسرتها .

 

الثانية 

 

إن الفتاة في القصة كانت ضعيفة الشخصية رغم أنها مثقفة وتعجب بالأدب وخاصة الشعر الرومانسي ولذا عانت أشد المعاناة من أسرتها ثم من اضطهاد زوجها وعنفه الوحشي معها حتى في أفضل الأوقات وهي وقت العلاقة الحميمة. بل الأكثر خيبة لأملها أن الأب والأم توفيا في حادث سيارة وكان أبوها قد تزوج زوجة ثانية وكتب لها بكل ثروته ولذا عندما عادت من السفر للخارج اكتشفت هذه الكارثة الكبرى أنها أصبحت معدمة وعليها أن تبدأ حياتها من الصفر.

 

الثالثة

 

تتعلق بالحياة المزدوجة للأبناء من الطبقة المتوسطة فالفتي كان موضع إعجاب أسرته والأسر التي تعرفت عليه مثل أسرة هذه الفتاة وعندما تزوج وجدته شخصا أخر بمائة وثمانين درجة عما كان يظهر قبل زواجهما . أما فتاتنا مثل كثير من فتيات الطبقة المتوسطة فقد عاشت صراعا داخليا بين الرومانسية والمعاناة وصدقت أقوال الشعراء ورومانسيتهم الشعرية ثم أصبحت تصطدم بالواقع المعاش  حيث كانت بدورها تعيش حياة مزدوجة ولكن بصورة مختلفة تماما عن صورة ازدواج حياة زوجها وكأن أبناء وبنات الطبقة الوسطي أريد لهم من الروائية أن يعيشون مثل هذا التناقض الذي يعكس طبيعة حياة تلك الطبقة وظروفها الاقتصادية والاجتماعية  فضلا عن الحياة السياسية السائدة في المجتمع الذي تعيش فيه ويعاملها أحيانا بقسوة شديدة.

 

الرابعة

 

إن الرواية تعبر عن الصراع الاجتماعي والطبقي في إحدى مراحل التطور الاجتماعي المصري حيث الاتجاه الديني المحافظ الذي ساد في النصف الأول من القرن العشرين بخلاف الاتجاه الديني الحالي الذي يمكن وصفه بأنه اتجاه متناقض لأن الفتاة ترتدي النقاب ثم تسهر طوال الليل خارج المنزل في المقاهي وتدخن الشيشة ( الارجيلة).

 

الخامسة

 

هي إنني حين كنت أقرأ  الرواية ورد علي  خاطري هاجس هي  أن هذه الرواية ربما تعبر تعبيرا صادقا أو قريبا من الصدق عن شخصية الكاتبة أو أحد أقربائها كما عبرت الأيام عن تجربة طه حسين أو سارة عن عباس محمود العقاد. لا أدري لماذا انتابني مثل هذا الإحساس  ربما من فرط صدق وواقعية الرواية.

 

السادسة

 

إن الرواية حفلت بمجموعة من الحكم والأقوال المأثورة مثل "الشر أقوي من الخير" ، " والصراع بين الخير والشر هو سبب الوجود" ،  و"قسوة الإنسان وظلمه لأخيه الإنسان" ،  "وإن أبشع مظاهر الظلم بين الزوج وزوجه" بينما القرآن الكريم جعل الرابطة هي المودة والرحمة هذا من ناحية ، ومن ناحية أخري فالقصة تعبر عن بعض الجوانب الواقعية في الحياة بالبحث عن الحب والبحث عن المال والصراع النفسي الرائع الذي صورته الكاتبة للفتاة وحبها الرومانسي لشاعر لم تره وإنما أعجبت بشعره ثم فجأة يظهر فتغمرها السعادة المشوبة بالخوف لأنها ما زالت زوجه رجل آخر وأحيانا تنساق وراء عواطفها بينما أحيانا أخري تضبط مشاعرها وتحكم عقلها وتخاف من المخاطر.

 

وختاما تهنئتي للكاتبة الروائية  عبير المعداوي لهذه القصة الرائعة وربما يمكنني أن أقول إنها نقلتني إلي أيام الشباب والقيم المجتمعية في مصر في القرن الماضي والتي يمكن القول أنها أصبحت تختلف جوهريا عن الحالة في عصرنا الراهن وكما يقال لكل عصر دولة ورجال فلكل جيل فكره وقيمه وسلوكياته.  

  28 يوليو 2016

Rate this item
(0 votes)
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…