لم تكن التسوية، التي تمّت في كوتاهية، إلا تسوية مؤقتة، إذ أن محمد علي باشا لم يوافق على عقدها إلا خشية من تهديد الدول الأوروبية بحرمانه من فتوحه، ومن جهته وافق السلطان محمود الثاني على عقدها مكرهًا تحت ضغط الأحداث العسكرية والسياسية، وهو عازم على استئناف القتال في ظروف أفضل لاستعادة نفوذه في بلاد الشام ومصر، ولمّا كان التفكير السياسي لكل طرف على هذا الشكل من التناقض، كان لا بد من استئناف الحرب لتقرير النتيجة النهائية. ونفّذ السلطان سياسة إستراتيجية من شقين: إنه راح يُحرّض سكان بلاد الشام ضد الحكم المصري من جهة، وقام بحشد القوات لضرب الجيوش المصرية وإرغامها على الخروج من البلاد، بمساعدة بريطانيا، من جهة أخرى. وأدرك محمد علي باشا، بعد التطورات السياسية، بأنّ مواقف الدول الأوروبية كانت لغير صالحه، وبأنّ خططه الانفصالية غير قابلة للتحقيق، لكنه لم يفقد الأمل باعتراف السلطنة بالحقوق الوراثية لعائلته في حكم المناطق التي كانت تحت إدارته، وحاول أن ينتهز الفرصة لإجراء محادثات جديدة، فأجرى مباحثات مع مبعوث السلطان، صارم أفندي، في مصر انتهت بالفشل بسبب التصلّب في المواقف.

وهكذا تطورت الأمور السياسية نحو التأزم، وأضحت الحرب بين الجانبين أمرًا لا مفر منه، وجرت الاستعدادات الحربية في الآستانة بشكل نشط ومكثف، وتابعت الدول الأوروبية الميول العسكرية لدى السلطان باهتمام بالغ. استغل السلطان ثورة سكان بلاد الشام على الحكم المصري بسبب سياسة التجنيد الإجباري التي اتبعها إبراهيم باشا هناك، ودفع السلطان بجيش في ربيع عام 1839، بقيادة حافظ باشا، إلى بلاد الشام، وكان ظهوره عند الحدود كافيًا لإيصال الأزمة إلى ذروتها، أما إبراهيم باشا فقد كان يترقب، تنفيذًا لرغبة أبيه في اجتناب كل ما يُظهره بمظهر المعتدي. وبعد أن احتشد الجمعان، أصدر السلطان أمره إلى حافظ باشا بمهاجمة إبراهيم باشا المتحصن في حلب. ويبدو أن محمد علي تملّكه الفرح لتحمّل السلطان وقائده مسؤولية البدء بالعمليات العسكرية المعادية، لذلك أمر ابنه بمهاجمة الجيش العثماني، وكان ذلك في معركة نصيبين (أو نزيب Nizip الواقعة شرق عنتاب في الجزيرة الفراتية) 15 يونيو سنة 1839م، الموافق 2 ربيع الآخر سنة 1255هـ.

كان الجيشان مجهزين تجهيزًا ممتازًا وكانت قواهما متعادلة. كان عدد الجنود في كل جيش يقارب الأربعين ألف رجل مدعومين بالمدفعية والفرسان. يقول قسطنطين بازيلي:

«منذ أن طبق التكتيك الأوروبي في الشرق لم يلتق يومًا في ساحة الوغى أفضل من هذين الجيشين»

عند وصول جيش إبراهيم أرسل فرقًا استطلاعية لمعرفة تحصينات الأتراك وتفاصيل معسكرهم، فاتضح له ولرئيس أركانه سليمان باشا أن الموقع محصن جيدًا تحميه سبعة مدافع قوية، وبعد دراسة ميدانية لتضاريس الموقع قرر إبراهيم باشا الالتفاف على معسكر العثمانيين لحرمانهم من الاستفادة من تحصينات موقعهم، نصح القائد البروسي حافظ باشا بالانسحاب إلى أول معسكر محصن في البيرة بعد أن أدركوا خطة إبراهيم باشا فرفض الانسحاب ثم نصحه بالاشتباك مع جيش إبراهيم باشا في طريق التفافه ولكن حافظ باشا خشي من عواقب قتال الجيش المصري خارج نزيب بعيداً عن حصونه التي أقامها فيها، ارتكب حافظ باشا خطأ آخر بعدم سيطرته على الطرق والجسر الذي إستخدمه جيش إبراهيم باشا للعبور والالتفاف حول الجيش العثماني، وعندما أتم الجيش المصري الالتفاف لاحظ إبراهيم باشا نقطة ضعف في الجناح الأيسر للجيش العثماني فأمر بقذفه بالمدافع، وكاد إبراهيم باشا أن يخسر المعركة عند بدايتها عندما نفذت ذخائر مدافعه وتأخر وصول ذخائر جديدة حينها قرر تنفيذ هجوم من الجناح الأيمن لجيشه مع مجموعة من الفرسان ما لبثوا أن تقهقروا بفعل قذائف المدفعية التركية. أوقف سليمان باشا الجنود الفارين بقذائف مدفعيته التي أرغمتهم على العودة إلى المعركة. أضاع حافظ باشا فرصة جديدة للنصر عندما لم يلاحق فلول المصريين المنسحبين مما أتاح لهم التماسك والعودة إلى المعركة. في نفس الوقت، وعند وصول الذخائر الجديدة أدت القذائف المدفعية المصرية إلى الفتك بفرسان الجيش العثماني وانتشار الفوضى في صفوفه. عندئذ أمر إبراهيم باشا بهجوم وسط الجيش المصري وميسرته تحت غطاء نيران المدفعية المصرية ليسحق الجيش العثماني خلال نصف ساعة.

مُني الجيش العثماني بخسارة فادحة وكارثة حقيقية، إذ كاد الجيش أن يُفنى عن بكرة أبيه، وأسر المصريون نحوًا من خمسة عشر ألف جندي، ووصل عدد القتلى إلى حوالي سبعة آلاف قتيل، وغنموا كميات هائلة من الأسلحة والمؤن. وتوفي السلطان محمود الثاني قبل أن يبلغه نبأ الهزيمة. فتحت هذه المعركة أبواب الأناضول مجددًا أمام إبراهيم باشا للمرة الثانية خلال ثماني سنوات، ولكنه، بسبب ضغوط الدول الأوروبية، اكتفى بالسيطرة على بعض تخوم سورية الشمالية من نسيب إلى أورفة والبيرة وعنتاب وانتهاءً بمرعش بوابة الأناضول.

تحرير .. سهر سمير فريد

Rate this item
(0 votes)

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية