إن انتصار الجيش المصري في معركة نصيبين قد وضع المسالة المصرية والمسالة الشرقية ومسالة التوازن الاوروبية عامة موضع البحث والنظر، وهذه هي المرة الثانية التي استرعت فيها انتصارات مصر انظار الدول الاوروبية واوقعتهن في الحيرة والارتباك، فالمرة الاولى كما تذكر كانت عقب انتصارات حمص وبيلان وقونية، وهذه المرة الثانية بعد نصيبين، وهذا يدلك على مدى تاثير تلك الانتصارات الباهرة، وحسبك دليلا على عظمها انها هزت كيان التوازن الاوروبي هزا، وتداعت اركان السلطنة العثمانية، وفتحت باب المسالة الشرقية، فتجددت اطماع الدول المختلفة بشانها، مما جعل السلام مهددا في اوروبا، واذا تاملت صحائف تاريخنا الحديث لم تجد لمصر من التاثير البالغ في السياسة الدولية الاوروبية مثلما كان لها عقب معركة نصيبين، ولا يغيبن عنك ان هذا يرجع اول وهلة الى انتصاراتها الحربية في ميادين القتال.

أبيد الجيش التركي في معركة نصيبين وتمت غنيمة أسلحته شبه كاملة ووافق آلاف الأسرى علي نقل ولائهم إلى الجيش المصري فتم تسييرهم إلى مصر، وهكذا صار الطريق مفتوحا امام إبراهيم باشا لدخول العاصمة العثمانية، وعلم الاسطول العثماني بهذا الامر فتوجه إلى الإسكندرية بمصر ليقوم قائد الاسطول بتسليم اسطوله كاملا إلى محمد علي ليكون تحت امرته .

تفكك الإمبراطورية العثمانية أدى إلى تدخل بعض القوى في أوروبا لاحداث التوازن الإقليمي المرجو للقارة وللحفاظ على الكيان المترهل للدولة العثمانية، وأيضاً لعدم المساهمة في نشأة [خلافة إسلامية عربية جديدة ولدحض أهداف محمد علي، وعلي رأسها بريطانيا كانت تأبي أن تقوم امبراطورية قوية في الشرق بمصر تهدد طريق تجارة بريطانيا إلى مستعمراتها في الهند.

ولذا قامت كل من المملكة المتحدة والإمبراطورية النمساوية بالتدخل لصالح الامبراطورية العثمانية لحفظها من خلال إرسالهم لقوات وأسطول بحري عبر المتوسط لقطع الطريق بين مصر من جهة ومواقع البحرية السورية والجيش المصري هناك من جهة أخرى، ونجحت في ذلك في نهاية المطاف واضطر إبراهيم باشا إلى العودة إلى مصر في فبراير 1841م. وكانت تتمسك ايضا برد الاسطول التركي الى الدولة العثمانية لان اندماجه في الاسطول المصري يجعل لمصر قوة بحرية كبيرة تخيف انجلترا.

كانت انجلترا اذن قوام المؤامرة الدولية على مصر في عهد محمد علي، وقد تولى وزارة خارجيتها في ذلك العصر سياسي داهية من اكبر ساسة الانجليز، وهو اللورد پالمرستون، وكان مشبعا بروح العداء لمصر عاملا على اضعاف مكانتها وتقليم اظافرها تنفيذا للسياسة التي اوضحناها ، فاخذ يبث مبادئه وافكاره بين الدول الاوروبية ويعمل على انحيازها الى صف انجلترا في الوقيعة بمصر، وكان يتولى السفارة الانجليزية بالاستانة في ذلك الحين سياسي اشد كراهية لمصر من اللورد پالمرستون، وهو اللورد پونسونبي Ponsonby، كان يجاهر بعدائه لمحمد علي باشا، وما فتئ يدس الدسائس للادارة المصرية في سورية ويبذل المساعي المختلفة لاحداث الثورات والفتن فيها وتحريض سكانها على الانتقاض على الحكم المصري، ويحرض دولته على محاربة محمد علي باشا ، فكان لهذين الرجلين، پالمرستون وپونسونبي، اثر بالغ في تدبير المؤامرة الدولية وتأليب الدول على مصر.

وتم ابرام معاهدة لندن 1840م بين بريطانيا والإمبراطورية النمساوية وبروسيا والإمبراطورية الروسية من جانب والدولة العثمانية من جانب آخر، تم توقيع المعاهدة فى العاصمة البريطانية لندن فى 15 يوليو عام 1840، ووقع عليها اللورد بالمرستون، الإمبراطورية النمساوية البارون نومان السفير النمساوي في انجلترا، ومن بروسيا البارون بيلوف، الإمبراطورية الروسية البارون برينوف، ومن الدولة العثمانية شكيب افندى وزير تركيا المفوض فى لندن.

انتهت المفاوضات إلى نصوص مجحفة بمصر لتجريدها من مستعمراتها كلها وحرمانها من ثمرة انتصارها،

أولا: أن يخول محمد علي وخلفاؤه حكم مصر الوراثي، ويكون له مدة حياته حكم المنطقة الجنوبية من سورية المعروفة بولاية عكا (فلسطين) بما فيها مدينة عكا ذاتها وقلعتها، بشرط ان يقبل ذلك في مدة لا تتجاوز عشرة ايام من تاريخ تبليغه هذا القرار ، وان يشفع قبوله باخلاء جنوده جزيرة كريت وبلاد العرب وإقليم أضنة وسائر البلاد العثمانية عدا ولاية عكا، وان يعيد الى تركيا اسطولها.

ثانيا: اذا لم يقبل هذا القرار في مدة عشرة ايام يحرم الحكم على ولاية عكا، ويمهل عشرة ايام اخرى لقبول الحكم الوراثي لمصر وسحب جنوده من جميع البلاد العثمانية وارجاع الاسطول العثماني، فاذا انقضت هذه المهلة دون قبول تلك الشروط كان السلطان في حل من حرمانه من ولاية مصر.

ثالثا: يدفع محمد علي باشا جزية سنوية للباب العالي تتبع في نسبتها البلاد التي تعهد اليه ادارتها.

رابعا: تسري في مصر ولاية عكا المعاهدة التي ابرمتها السلطنة العثمانية وقوانينها الاساسية، ويتولى محمد علي وخلفاؤه جباية الضرائب باسم السلطان على ان يؤدوا الجزية، ويتولون الانفاق على الادارة العسكرية والمدنية في البلاد التي يحكمونها.

خامسا: تعد قوات مصر البرية والبحرية جزءا من قوات السلطنة العثمانية، ومعدة لخدمتها .

سادسا: يتكفل الخلفاء في حالة رفض محمد علي باشا لتلك الشروط ان يلجأوا الى وسائل القوة لتنفيذها، وتتعهد انجلترا والنمسا في خلال ذلك ان تتخذ باسم الحلفاء بناء على طلب السلطان كل الوسائل لقطع المواصلات بين مصر وسورية ومنه وصول المدد من احداهما للاخرى، وتعضيد الرعايا العثمانيين الذين يريدون خلع طاعة الحكومة المصرية والرجوع الى الحكم العثماني وامدادهم بكل ما لديهم من المساعدات.

سابعاً: اذا لم يذعن محمد علي للشروط المتقدمة وجرد قواته البرية والبحرية على الاستانة فيتعهد الحلفاء بان يتخذوا بناء على طلب السلطان كل الوسائل لحماية عرشه وجعل الاستانة والبواغيز بمامن من كل اعتداء.

تم ابرام هذه المعاهدة بان وقع عليها كل من اللورد بالمرستون عن انجلترا، والبارون نومان السفير النمساوي في انجلترا عن النمسا، والبارون بيلوف عن بروسيا، والبارون برينوف عن الروسيا، وشكيب افندي وزير تركيا المفوض في لندره عن الباب العالي، وقد ابرمت المعاهدة بغير علم مصر وفرنسا، فقد فوجئت الحكومة الفرنسية بخبرها مفاجاة، فلما اذيع نبا ابراهما ادرك المسيو تييرس ما في هذا العمل من التحدي لفرنسا والغض منها، وكان من نتائجها ان هجات الخواطر فيها وتوتر العلاقات بينها وبين انجلترا، وكادت تقع الحرب، فارغت فرنسا وازبدت، واخذت تستعد وتحرض محمد علي باشا على نبذ قرارات الدول ، لكنها ادركت اخر الامر ان استعداداتها لا تغير من موقف الدول المؤتمرة، وانها لا قبل لها بان تخوض غمار حرب اوروبية، فتراجعت وتركت مصر وحدها امام الدول المؤتمرة، فاحتملت مصر نتائج سياسة فرنسا الخرقاء.

ان معاهدة لندرة تقضي بجعل حكم مصر وراثيا في اسرة محمد علي، اي باستقلال مصر الداخلي التام، وارجاع مصر الى حدودها الاصلية قبل حروبها الاخيرة، وحرمانها حكم جزيرة العرب وسورية وكريت واقليم ادنه، وتخويل محمد علي مدة حياته حكم سورية الجنوبية.

ولعلك تلاحظ في هذه المعاهدة تعهد الدول باتخاذ وسائل العنف والقوة بتنفيذ شروطها في حالة رفض محمد علي قبولها، وتلاحظ ايضا تعهدها بحماية عرش آل عثمان والدفاع عن السلطنة العثمانية والبواغيز في حالة مهاجمة قوات محمد علي البرية والبحرية لها، وهذا يصور لك ما بلغته مصر في ذلك العصر من القوة واليأس، مما دعا الحلفاء الى التكاتف والتعاون لاجبارها على احترام معاهدة لندره وحماية تركيا من باسها.

تحرير .. سهر سمير فريد

Rate this item
(0 votes)

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية