تقرير سامح طلعت

كان على شامبليون أن يواجه مجموعة من الافتراضات:

- أولها: هل الخطوط الثلاثة (الهيروغليفية – الديموطيقية – اليونانية) تمثل ثلاثة نصوص مختلفة من حيث المضمون أم أنها تمثل موضوعاً واحداً ولكنه كتب بالخط الرسمي (الهيروغليفي)، وخط الحياة اليومية السائدة في هذه الفترة (الديموطيقي) ثم بلغة اليونانيين الذين كانوا يحكمون مصر.

- ثانيها: يتعلق ببنية اللغة المصرية هل تقوم على أبجدية أي مجموعة من الحروف كاللغات الحية مثلاً ؟ أم أنها كتبت بعلامات تراوحت قيمتها الصوتية بين حرف وحرفين أو ثلاثة أو ربما أكثر.

- ثالثها: هل عرفت هذه الكتابة حروف الحركة؟ وهل العلامات تصويرية أم صوتية؟ وما هي الأدوات التي استخدمها المصري لتحديد معنى المفردات؟ وهل استخدمت المخصصات والعلامات التفسيرية ؟!!...الخ

لابد أن هذه الافتراضات والتساؤلات وغيرها كانت تدور في ذهن "شامبليون" وهو يتعامل مع الحجر ولابد أنه قد استرعى انتباهه أن هناك أكثر من خط للغة المصرية القديمة، فضلاً عن تساؤلات منها: هل هناك علاقة خطية بين الهيروغليفية والهيراطيقية والديموطيقية؟ وهل هناك من علاقة لغوية في مجال القواعد والصرف.. الخ.. ثم هذه العلامات الأسطوانية في النص الهيروغليفي والتي تحيط ببعض العلامات الهيروغليفية – والتي عرفناها فيما بعد باسم الخرطوش – ماذا تعني؟

لقد قرأ شامبليون النص اليوناني وفهم مضمونه وقرأ اسم الملك بطلميوس، والواضح أنه سلك منهج الاعتماد على أسماء الأعلام غير القابلة للتغيير، وتحرك من فرضية أن هذا المرسوم الذي صدر في عهد الملك بطلميوس الخامس عام 196 ق.م. لابد وأنه قد كتب إلى جانب اليونانية بخطين من خطوط اللغة الوطنية. ولابد أن اسم بطليموس باليونانية سوف يتكرر في الخطين الهيروغليفي والديموطيقي. وفي ظل إدراك "شامبليون" بأن الحروف الساكنة لأسماء الأعلام لا تتغير مهما تعددت اللغات التي كتبت بها، ففي العربية نجد اسماً مثل "مجدي" لا يمكن للحروف الأولى الثلاثة أن تسقط، وكذلك "حسن" وإن خفت بعض الحروف أو انقلبت أو أُبدلت، إلا أن الصعوبة سوف تتمثل في حروف الحركة التي تحدد نطق السواكن بالفتحة أو بالضمة أو بالكسرة. ولخلو اللغة المصرية القديمة من حروف الحركة يجيء الاختلاف في نطق السواكن، إلا أن القبطية التي ظهرت فيها حروف الحركة حسمت الأمر إلى حد كبير.

ضمن حجر رشيد خرطوشاً واحداً تكرر ست مرات ضم اسم الملك "بطلميوس" وهو الاسم الذي ورد على مسلة "فيلة" بالإضافة إلى اسم "كيلوباترا".

سجل "شامبليون" العلامات الواردة في خرطوش "بطلميوس" ورقمها وفعل نفس الشيء بالنسبة لخرطوش "كيلوباترا" الوارد على مسلة فيلة نظراً لاشتراك الاسمين في القيمة الصوتية لبعض العلامات كالباء والتاء واللام. وسجل نفس الاسمين باليونانية ورقم كل حرف منها وقابل العلامة الأولى من اسم "بطلميوس" بالهيروغليفية وما يقابلها في اسمه باليونانية، وتمكن "شامبليون" من أن يتعرف على القيمة الصوتية لبعض العلامات الهيروغليفية اعتمادًا على قيمتها الصوتية في اليونانية.

وبمزيد من الدراسات المقارنة أمكن لـ"شامبليون" أن يتعرف على القيمة الصوتية لكثير من العلامات، وفي عام 1822 أعلن "شامبليون" على العالم أنه تمكن من فك رموز اللغة المصرية القديمة، وأن بنية الكلمة في اللغة المصرية لا تقوم على أبجدية فقط، وإنما تقوم على علامات تعطي القيمة لحرف واحد وأخرى لاثنين وثالثة لثلاثة، وأكد استخدام المخصصات في نهاية المفردات لتحديد معنى الكلمة.

وهكذا وضع "شامبليون" اللبنات الأولى في صرح اللغة المصرية القديمة. وجاء من بعده المئات من الباحثين الذين أسهموا في استكمال بناء هذا الصرح الشامخ.

وبمعرفة اللغة المصرية القديمة بدأ الغموض ينجلي عن الحضارة المصرية وأخذ علم المصريات يشق طريقه بقوة بين العلوم الأخرى.

Rate this item
(0 votes)

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية