تقرير سامح طلعت

مع تزايد أعداد البشر، واختلاف معتقداتهم وتوجهاتهم، ظهرت ديانات غريبة لدرجة الجنون، قديما كنا نتعجب من الذين يعبدون الحيوانات والأحجار، ولكن في الآونة الأخيرة ظهرت عبادات أكثر غرابة، مثل الديانة الراستفارية  التي يتناول أتباعها الماريجوانا لزيادة إيمانهم

ما بين إفريقيا، وأمريكا الوسطى، والكاريبي، مساحة كبيرة، وبون جغرافي شاسع، لكنّ الروح واحدة، والنبض واحد، والحبّ واحد، والسّحنات واحدة، والمعاناة واحدة، ولعلّ هذه الروح، هي ما انتبه إليها الجامايكي ماركوس غارفي (1887- 1940) أحد أهم وأبرز القوميين

السود في القرن العشرين، الذي أصبح فيما بعد المُروِّج الأكبر للديانة الراستفارية، المنسوبة روحِيّاً للإمبراطور الأثيوبي الأسبق

هيلي سلاسي راجت الراستفارية، في بداية العقد الثالث من القرن العشرين، بين العمال والمزارعين السود الجامايكيين، إثر تأويل رجل دين مسيحي أسود، اسمه "ليونارد هويل"، لنبوءة إنجيلية تتحدث عن ظهور ما يعرف بالمسيح الأسود، في إشارة إلى هيلي

سلاسي، كونه الحاكم الإفريقي الوحيد في ذلك الوقت، حينها كانت القارة كلّها تحت الاستعمار عدا أثيوبيا.

في الجانب الآخر من العالم، كان الأفارقة الذين انتُزعوا من ديارهم، وبيعوا عبيداً في أمرييكا، بشقيها؛ الشمالي والجنوبي، يكافحون من أجل نيل حريتهم وكرامتهم، وبطبيعة الحال؛ برز مفكّرون ومنظّرون لتعضيد هذه الحركات النضالية؛ فكرياً وروحياً، وكان أبرزهم

المفكر

ماركوس غارفي، الذي دعم الديانة الجديدة الناشئة هناك؛ بل وأشار إلى أنّ "هيلي سلاسي"، هو التجسيد الروحاني لربّ هذا الدين، وأنّ أثيوبيا هي أرض الميعاد لكافة  السود المستعبدين في الأمريكيتين وغيرهما، فما كان من الرجل إلا أن التقط هذه الفكرة،

ودعا

السود إلى العودة إلى قارتهم الأم، واستقطع لهم أرضاً من بلده ذات الطبيعة الخلابة والرائعة، في منطقة اسمها (شاشامنِّي)، ما تزال إلى اليوم المدينة المقدسة للراستفاريين.

اكتسبت الديانة الراستفارية، المشتقة من اسم "الراس تيفري"، زخماً ورواجاً لا نظير لهما، أعقاب اعتناقها من قبل بوب أنيستا مارلي، مغنّي الريقي الجامايكي الأشهر في العالم، وقد أسهم بوب مارلي في نشرها عبر أغانيه الرائعة التي مجّدت الراستفارية ونبيّها

هيلي سلاسي، ودعت السود للنهوض والثورة لنيل حريتهم، واستوحى بوب مارلي جلّ أغنياته من مقولات ماركوس غارفي، مثل: "من يفقد ثقته بنفسه لحظة الخسارة، تتضاعف خسارته" وغيرها، بجانب خطابات الإمبراطور هيلي سلاسي المُلهِمة، وأحوال

السود المتضعضة والهشة.

ومن جامايكا، وعبر أغنيات بوب مالي، ومقولات غارفي، على وجه الخصوص، انتشرت الديانة الراستفارية في جزر الكاريبي وأوروبا وأمريكا وأثيوبيا وحول العالم، واكتسبت الكثير من الأتباع تقدّر بعض الإحصائيات عددهم بنحو مليون شخص أو أكثر، لكن يبدو أنّ تلك

الإحصائيات تفتقر إلى الدقّة، وأنّ العدد أكبر من ذلك بكثير.الراستفارية، ليست ديانة روحانية فحسب؛ بل طقسية أيضاً، ومن طقوسهم الشكلانية والروحية؛ إطالة شعر الرأس وجدله، وتدخين الماريجوانا، وعلى وجه الخصوص تلك التي تُزرع في مدينتهم المقدّسة

(شاشامنِّي)، كما يعتقدون أنّ أثيوبيا هي الفردوس وأرض جون برستر، وأنّ هيلي سلاسي من سلالة النبي سليمان؛ لذا غنّى له بوب مارلي (Zion train is coming)، وهي أغنية لا يُقصد بها الصّهيونية، كما يعتقد البعض؛ بل الأسرة السليمانية التي كانت تحكم

، كما يعتقدون أنّ سود البشرة سيحكمون العالم يوماً ما، ويشيعون فيه المحبة والسلام والعدالة.

وفي السياق ذاته، لعبت موسيقى الريقي دوراً كبيراً في انتشار الديانة الراستفارية حول العالم؛ حيث كانت كلمات أغانيها عبارة عن مانفيستو بتعاليم الدين الجديد، ويشار هنا إلى أنّ جلّ مغني الريقي، كانوا يدينون بالراستفارية ابتداءً من بوب مارلي، ومروراً بـ"ذا

ويلارز، بيتر توش، فريدي جريجور، داني براون، وليس انتهاءً بالمغني الأثيوبي العالمي الراهن تيدي آفرو"

ما لا يعرفه كثيرون، هو إيمان الراستفاريين بكلّ الآلهة الأنبياء؛ بل والغناء لهم وتمجيدهم، فهم يغنّون لمحمّد رسول الله، وللمسيح عيسى بن مريم، ولموسى، وإبراهيم الخليل، وبوذا، وغيرهم، ويمكن لمنسوبي كل الأديان الالتحاق بالراستفارية، دون أن يتركوا

دياناتهم الأصلية، فقط عليهم أن يؤمنوا بجانب ذلك بتعاليم الدين الجديد الذي تتلخّص عقيدته الثالوثية –بحسب معظم المصادر – في الإله/ الأب، ويطلقون عليه Jah))، أما الابن فهو المسيح الأسود (الإفريقي)، ويقصدون به هيلي سلاسي، علاوة على الروح

القدس، ويتّخذون من ألوان العلم الأثيوبي "الأحمر والأخضر والذهبي" المُطعّمة بصورة لأسد يهوذا، إضافة إلى اللون الأسود رموزاً لهم، فالأحمر هو لون الدم والشهداء، والذهبي يرمز إلى الثروة الإفريقية، والأخضر للأرض والطبيعة، والأسود للأم إفريقيا، أمّا أسد يهوذا

فيشير إلى الأسرة السليمانية التي يعتقدون بانتماء هيلي سلاسي إليها.

ورغم اغتيال هيلي سلاسي العام 1975، بعد انقلاب عسكري نفّذه ضباط ماركسيون، إلا أنّ جُلّ الراستفاريين، يؤمنون -إلى اليوم- بأنّ الحفيد الـ(125) للنبي سُليمان وملكة سبأ، لم يمُت، وأنّه مايزال حيّاً وبصحة جيدة، فقط صعد جسده إلى السماء، وسيأتي يوماً

ما في آخر الزمان، ويجعل العالم مليئاً بالسلام والمحبة والطمأنينة، حينها سيغنّي العالم كلّه لحناً واحداً، ويرقص على إيقاعات الريقي، وابتهالات الأنبياء والصالحين من كلّ الأديان، حين يتجمّعون في "شاشامندي"، جنّة الراستفارية، ولن يُعذَّب أحد؛ بل سيغفر الإله

للجميع، لأنّه كريم ومسامح وغفور رحيم.

Rate this item
(0 votes)

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية