بقلم الباحث الاسلامي / محمد قشطة 

‎دين الرحمة والوسطية
‎من أراد أن يتعرف على الدين الإسلامي السمح ويتعرف حقيقة هذا الدين فيتأمل ويتدبر كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن لا خلفه ومن أراد أن يتعرف على أخلاق رسول الإسلام بسماحته وصدقه وأمانته فلينظر إلى الحقيقة المجردة بعيدا عن حقد الحاقدين وتشويه أهل التشدق والتشدد والذين نقلوا عن الإسلام أنه دين القتل وسفك الدماء ولابد من مقاتلة الكفار حتى يسلموا وهذا ينم عن جهل بما جاء به الحق حيث قال تعالى للكفار بسم الله الرحمن الرحيم ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(-) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (-)وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (-) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (-) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (-) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) وليس كما يزعم البعض أنه انتشر بالسيف وهذه مقولة مجحفة لأن الإسلام ظل في مكة ثلاثة عشر عاما وأتباعه مضطهدون من قريش وأتباعهم ولاقوا ألوان العذاب وتركوا ديارهم وأموالهم في نهاية الأمر وخرجوا مهاجرين فرارا بدينهم مرة إلى الحبشة وأخرى إلى المدينة المنورة ولما أتم الله فتح مكة لنبيه عزم على ألا تراق قطرة دم واحدة وأوصى أصحابه بذلك وبالفعل لما تم له النصر قال لهم مقولته المشهورة والمدوية عبر أربعة عشر قرنا مضت شاهدة على عظمة الدين وسماحة النبي الكريم الذي لا ينطق عن الهوى ماذا تظنون أني فاعل بكم

؟ قالوا أخ كريم وابن أخ كريم قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء وكانت من وصايا الرسول لسفرائه الذين أرسلهم في البلاد لتبيلغ الرسالة وعلى سيبل المثال بعثة معاذ بن جبل إلى اليمن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" يا معاذ أوصيك بتقوى الله ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وترك الخيانة ، والأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ، وخفض الجناح ، وحفظ الجار ولين الكلام ورد السلام والتفقه في القرآن والجزع من الحساب وحب الآخرة على الدنيا ، يا معاذ لا تفسد أرضا ، ولا تشتم مسلما ، ولا تصدق كاذبا ، ولا تكذب صادقا ، ولا تعص إماما ، وإنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوت في يومهم وليلتهم ، فإذا فعلوا ذلك فأخبرهم أن الله تعالى فرض عليهم زكاة تؤخذ من أموالهم فترد على فقرائهم ، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس ، يا معاذ إني أحب لك ما أحب لنفسى ، وأكره لك ما أكره لها ، يا معاذ إذا أحدثت ذنبا فأحدث له توبة ، السر بالسر والعلانية بالعلانية ، يا معاذ يسر ولا تعسر ، واذكر الله عند كل حجر ومدر يشهد لك يوم القيامة ، يا معاذ عد المريض ، وأسرع في حوائج الأرامل والضعفاء ، وجالس المساكين والفقراء ، وأنصف الناس من نفسك ، وقل الحق حيث كان ، ولا يأخذك في الله لومة لائم ، والقني على الحال التي فارقتني عليها " .


‎فقال معاذ : بأبي وأمي أنت يا رسول الله لقد حملتني أمرا عظيما ، فادع الله لي على ما قلدتني عليه فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ودعه .


‎فالدين الإسلامي هو الدين الخاتم لجميع الرسالات السماوية السابقة ؛ لأنه العقيدة السمحة والوسطية التي جاء الرسل والأنبياء بها من لدن آدم حتى ختمت الرسالات ببعثة محمد- صلى الله عليه وسلم -:

( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (الشورى: 13).وقوله تعالى :

( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول شهيدا عليكم ) ويقول الرسول الكريمصلى الله عليه وسلم : (( مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة منه فصار الناس يطوفون حوله ويعجبون به ويقولون ما أحسنه لولا هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين)).


‎والإسلام عقيدة التوحيد والإيمان بالله لنشر الرحمة والتسامح بين الناس قال تعالى :

( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) وقوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (آل عمران: ١٥٩) ولكن قد انتقلت صورة مغلوطة إلى غير المسلمين عن ديننا الحنيف من بعض المأجورين وللأسف محسوبين على الدين بل وقد توهموا أنهم حماة الدين فأساؤوا إلى الإسلام بتشددهم وعصبيتهم وسوء فهمهم لحقيقة الرسالة السمحة التي تدعو إلى التوحيد بالحسنى والحكمة حيث قال تعالى :

ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) النحل 125 وهذه دعوة صريحة لاتباع منهج عظيم في الدعوة بالرفق واللين وتقديم النصيحة والموعظة لمن أرادها دون تعنيف أو تكفير أو تعالي واستهزاء بمن ابتعدوا قليلا عن المنهج السمح وهذه طبيعة بشرية ولكن أمر الله تعالى أن نأخذ بأيديهم إلى الصواب بكل حب وسماحة لأن الله قد أمر أنبيائه بالرفق في دعوة البشر إلى رسالتهم ويتجلى ذلك في دعوة موسى وهارون لفرعون فقد أمرهما الله تعالى باتباع منهج القول الحسن واللين قال تعالى :

(اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ) وهل هناك أشد ظلما وعداوة للإسلام من فرعون ولكنها الرسالة السمحة من رب العالمين لكل البشر في كل مكان باختلاف معتقداتهم وترك لهم حرية الاختيار ويتجلى ذلك في قوله تعالى :

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) [آل عمران:64]

وفي ذلك دعوة للبشرية لإنقاذها قبل أن يحل بها المصير السيئ الذي ينتظرها حين تعرض عن هدي ربها: ( أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ* أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ* أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ* بَلَى قَدْ جَاءتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ) (الزمر: 56 - 59).

و الإسلام الدين الحنيف ما جاء أبدًا ليقول إن الأديان السابقة كاذبة، أو كانت من صنع بشر، أو من خيال أحد،لأن الرسول- صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى أخبرنا أن هذه الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء تستهدف غاية واحدة وتنشد هدفًا واحدًا هو إثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وتعهد بحفظ كتابه حيث قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: 9). وقوله تعالى هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (الصف: 9).
‎وبهذا استحقت الأمة الإسلامية أن تكون شاهدة على الأمم السابقة، وأن يكون الرسول شهيدًا عليها: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (البقرة: 143)، ويقول- صلى الله عليه وسلم -: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك إلى قيام الساعة))، وقد بات الكثير من المحاولات لهدم الدين بالفشل حيث قال تعالى: ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة: 32).

Rate this item
(1 Vote)
Tagged under