د. عبد الرحمن حجازي

رئيس الإدارة المركزية للشئون الأدبية والمسابقات بالمجلس الأعلى للثقافة

ورئيس قسم اللغة العربية وآدابها سابقًا، بكلية اللغة العربية والحضارة الإسلامية،

بالجامعة المصرية بكازاخستان

 على الرغم من شيوع هذا المصطلح فإنه من الصعب تعريفه بسهولة في هذا العصر المليء بالمتناقضات؛ حيث إن الثقافة من المصطلحات الشائعة، فكل من يطلقها يقصد بها معنى مختلفًا ومتنوعًا، ومصطلح الثقافة من أكثر المصطلحات استخداما في الحياة العربية المعاصرة، وبالتالي فهو من أكثر المصطلحات صعوبة على التعريف؛ ففي حين يشير المصدر اللغوي والمفهوم المتبادر للذهن والمنتشر بين الناس إلى حالة الفرد العلمية الرفيعة المستوى، فإن استخدام هذا المصطلح كمقابل لمصطلح (Culture)  في اللغات الأوروبية تجعله يقابل حالة اجتماعية شعبية أكثر منها حالة فردية؛ فوفق المعنى الغربي للثقافة: تكون الثقافة مجموعة العادات والقيم والتقاليد التي تعيش وفقها جماعة أو مجتمع بشري، بغض النظر عن مدى تطور العلوم لديه أو مستوى حضارته وعمرانه. وبذلك فإن الإشكال يطرح نفسه، ذلك أن تعريف الثقافة اختلط عند العرب باعتبار أن هناك فرقًا بين المثقف والمتحضر. فالمثقف هو الذي يتعدى إحساسه الذاتي للإحساس بالآخر، والمتحضر هو الذي يسلك سلوكًا يلائم البيئة الذي يعيش فيها، ولكي يكون الإنسان متحضرًا لابد أن يكون مثقفًا.

والثقافة- كما هو معروف- هي مجموعة من الأشكال والمظاهر لمجتمع معين، تشمل: عادات، وممارسات، وقواعد، ومعايير كيفية العيش والوجود، من ملابس، ودين، وطقوس، وقواعد السلوك، والمعتقدات. ومن وجهة نظر أخرى، يمكن القول إن الثقافة هي كل المعلومات والمهارات التي يملكها البشر.

ومن هنا يتبدى لنا بأن الثقافة لا تتطور بدون تطور فكري، وهذا التطور الفكري لا يتم إلا من خلال تمازج تلك الثقافات والنظر إلى كل النظريات التي تناولت هذا الجانب أو ذاك، وأسهمت من خلالها إلى الإبداع والإنتاج من جديد عناصر أولية كانت هي الأخرى ذات نتاج معرفي، ونحن نقسم الثقافة إلى مادية ولا مادية، فإن اللغة هي محتواة في طوايا الثقافة، فاللامادية هي تلك آليات التفكير ونقل الرموز وعصارات الفكر الإنساني وحالات التناقل والتثاقف بين تلك الشعوب ، وهي مجموع العلوم والمعارف والنصوص من لغة إلى أخرى عبر الترجمات ، أما اللغة فتشكل عنصرًا أساسيًا في تكوين المعرفة والبراهين والصناعات ممزوجة بالأساطير التي رأى فيها الإنسان أمنه وحمايته من الحيوانات الكاسرة أو في حروبه واعتدائه، أو ربما بأساليب تكيفه مع البيئة كان ذلك كله ذات صناعة إنسانية، فالإنسان هو وحده الذي له لغة وثقافة في آنٍ واحد دون سواه من الكائنات والمخلوقات على وجه الأرض. إن التباين باللغات يفرض علينا نوعًا من الثقافات وآليات التفكير وكذلك البيئة التي ينخرط فيها الإنسان، فآليات التفكير لدى الشعوب التي تعيش في الصحراء تختلف عن الذين يعيشون على الشواطئ أو في الغابات، وهذا التشكل يأخذ خصوصية ولكن مع تطور المجتمعات ووسائل الاتصال كما هو في حالنا اليوم لم يعد ممكنًا أن تبقى هذه المجتمعات منعزلة عن المجتمعات الأخرى، فإن لم تندمج معها، فلا بد أن تتأثر إلى حد ما، وهذا التأثر سيغير في آلية التفكير ويضيف إلى اللغة والمصطلحات واستخدام معطيات الثقافة المادية بما يتوافق مع هذا المجتمع، وبهذا يبدأ التغير في أدق تفاصليه، وإذا لم يفعل ذلك المجتمع تنحسر اللغة لديهم ، وكذلك ثقافتهم ، وكلما ازدادت الرمزية تقاربت الثقافات، وهذا الترميز هو مفردات وتعبيرات مركبة تستخدم في سياقات خاصة كما في علوم الرياضيات، وفي مساحات أخرى نرى أن الفن التشكيلي هو لغة خاصة عالمية لكل بني البشر، ولا تتدخل فيها اللغة المنطوقة، إلا من خلال الاستدلال والاستنتاج أو قراءتها، وتحمليها تلك المضامين لتلك الثقافات ما نسميه لغة مرموزة من نوع خاص، وأن اللغة والثقافة هي مكتسبة، فمن يعش لفترة طويلة في بلد يتكلم غير لغته التي تعلمها في بداية حياته سيفرض عليه الواقع أن يتعلم اللغة الجديدة، وبهذا ينسى لغته الأصلية، كما أنه سيتطبع بالثقافة الجيدة التي يعيشها، وسوف ينسى ثقافته وعاداته ، ويكون ذلك التحول والنسيان للثقافة واللغة عبر السيطرة الاستعمارية التي تفرض سيطرتها لفترة زمنية ، وبأقلية يمكن أن تسيطر على الأكثر، وبهذا تتحدد وترتبط قوة تلك الثقافة واللغة الوافدة، وحجم العراك الذي سيفضي فيما بينهما، وهذا مرهون بأبنائها وقوة الثقافة واللغة اتجاه الوافد والمسيطر، ويمكنها أن تغير في طبيعة وثقافة الوافد إليها رغم ما يتمتع به من سطوة وقوة وجبروت والشواهد التاريخية في أذهاننا ماثلة كالمغول عندما هجموا على الحضارة العربية الإسلامية في أوج ازدهارها في العصر العباسي ، كانت النتيجة أن المغول قد تركوا معتقداتهم ولغتهم وأخذوا واستمتعوا باللغة والثقافة العربية ، فيتبين لنا قوة تلك الثقافة واللغة ، وتأثيرها على الآخرين.

     إن الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي اليوم، يحملنا بكل صدق إلى غياب الأمل في تكامل موحد بقرار سياسي، وأصبح الأمل معقودًا على التكامل الثقافي؛ إذ أصبح الأمل الأكبر في صياغة مشروع جديد للتكامل العربي ملقاً على عاتق الثّقافة والفن؛ إذ إن ما يوحد العرب قبل كل شيء هو واقعهم وماضيهم الحضاري. فرغم محاولات ضخّ  ثقافات أخرى في مجتمعاتنا، فلا يزال العربي متمسِّكًا بنموذجه الشرقي الإنساني، الذي يجعل الأُسَر والعلاقات الاجتماعية والتضامن التلقائي عصب تلاحم المجتمع. كما أن العلاقة بين الشّعوب العربية تتجاوز المواقف السياسية والواقع الاقتصادي، وتتجسّد في حوار القلوب والعواطف التي تحمل انتماءً واضحًا عجز الزمن والمؤامرات عن طمس معالمه، ثم إن ثروة وحدة اللّغة العربية المكتوبة قد ضمنت لهذا الترابط وجوداً أزلياً، تحمل الثّقافة مسؤولية تقويته والحفاظ عليه، ويتكفّل الفنّ في ظلّ تقدّم وسائل الاتصال والإعلام بتجسيده واكتماله، لإعادة تقوية التّعارف بين العرب بعضهم ببعض، ودفعهم نحوَ التقارب والترابط، قصد تجديد المشاعر الأخوية، وترميم حسن نوايا العربي نحو العربي، إصلاحًا لما أتت عليه السّياسة وعجز الاقتصاد عن ترميمه.

       فالعرب- وبحكم التاريخ والثقافة- لهم ما يوحدهم أكثر مما يفرقهم، وكل ما علينا فعله هو العمل على ترميم الجسم العربي وتربية جيل، بل أجيال طامحة لبناء وطن عربي واحد موحد حقيقي، يتطلع أفراده لتحقيق مشاريع تجعل من العرب عنصرًا أساسيًا وطرفًا صعبًا في رسم معالم المشهد الاقتصادي والسياسي العالمي. وقد حان الوقت ليتحرر الحلم العربي من أوراق المواثيق غير المفعلة والاجتماعات الشكلية، لينزل إلى الواقع ويكون فعلاً لا قولاً وحقيقةً لا خيالاً.

        ومن المؤسف دائمًا ما نقرأ التقرير الذي يقول:"إن المواطن الأوروبي يقرأ بمعدل ٣٥ كتاباً في السنة، في حين أن المواطن العربي لا يقرأ سوى ما يعادل ٦ دقائق في السنة". كما أنه من المحزن أن نرى دولاً فقيرة من العالم الثالث سواء في شرق آسيا وجنوب أميركا وبعض الدول الأفريقية وغيرها على لائحة إحصاءات المنتجات الثقافية الخاصة باليونيسكو ولا نجد الدول العربية.

     وهكذا في وطننا العربي الحبيب لا يتجاوز متوسط قراءة الفرد 6 دقائق في السنة، 6 دقائق يتجرع مرارتها وطننا العربي يومًا بعد يوم تضيع بسببها مشاريع اقتصادية كبرى، وتندثر أفكار نهضوية وسياسية عظمى، قد يقول قائل إن هذه النسبة ليست مكمن الداء ولن نُحمِّلَها أكثر من طاقتها، إن كان الحال كذلك فكيف سيتعرف هذا العربي الشاب على تاريخه؟ أين ومتى سيقرأ عن عظماء وطنه وأمته؟ من أين ستراوده فكرة الوحدة العربية؟ وكيف سيستشعر فكرة التكامل الثقافي للوطن العربي؟ وإذا نظرنا إلى أوروبا فسنجد أنه يصل متوسط قراءة الفرد فيها إلى 200 ساعة سنويًا، وقد تُفسر لنا هذه النسبة كل شيء؛ فأوروبا أضحت أقوى اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، وهي موحدة في ظل الاتحاد الأوربي أكثر مما كانت عليه وهي متفرقة، وأن تشكيل الاتحاد الأوربي سرَّعَ-  وبشكل غير متوقع- من نمو كل البلدان المشاركة فيه بعدما أنهكتها تبعات الحرب العالمية. فأوروبا، بعدما ذاقت الويلات من حروب طاحنة ومن تيارات فكرية تفرق شملها أكثر من أن تجمعه، ها هي الآن تُلقِّن العالم درسًا في قيمة الاتحاد المبني على التكامل.

إن ما نحتاج إليه اليوم على صعيد التكامل الثقافي العربي هو العمل الثقافي المشترك تطبيقيًا لا نظريًا فقط. هذه تفرقة ضرورية ينبغي الانتباه إليها؛ فالعمل الثقافي هو المشاريع والأدوات الثقافية على أرض الواقع وفي صفوف الناس. أما الفكر الثقافي فهو القيم الفكرية والأسـس النـظرية التي تمثل مقومات النهضة والتقدم مثل الحرية وحقوق الإنـسان والتفكير النقدي والاستنارة والانفتاح وغيرها من القيم قد أصبحت اليوم من المسلمات، ولهذا آن أوان تجاوزها، فلم تعد هناك من قيمة جديدة مضافة من وراء تكرار الحديث عنها ليل نهار. لقد أصبحنا نرتاد بعض المؤتمرات والندوات، فنكاد نشعر أن الكلام ذاته قد سمعناه من قبل مئة مرة، فلماذا نصر على إعادته وتكراره؟ لكن في المقابل نحن نحتاج بشدة إلى العمل الثقافي الذي من خلاله يمكن ممارسة هذه القيم على أرض الواقع وفي حياة الناس.

دور الثقافة والفنون في إرساء التكامل الثقافي بين الشعوب

     إن دور الثقافة والفنون في إرساء التكامل الثقافي والنهوض بالمجتمعات العربية أصبح أكثر تعقيدًا وتشابكًا. ونقول إنه في ظل التشوّه الذي لحق بنمط الاستهلاك في الدول العربية الذي لم يقتصر على الاستهلاك المادي وإنما امتد إلى أنماط الإقبال على الفنون والثقافة والرموز “القدوة” للأجيال الجديدة التي تتجه لكل ما هو غربي، وسريع، و”معلب”، لم تعد لدينا مساحة لأطروحات التنوير الثقافي، أو مناقشة دوره في تحقيق التكامل الثقافي العربي، وليست لدينا مساحة لنتحدث في المنطقة العربية عن “صناعة الثقافة”، لكي نتماشى مع ما هو مطروح عالميًا.

     إذا كانت معوقات التكامل الاقتصادي والوحدة السياسية حاضرة بكل ثقلها في واقع عالمنا العربي، فإن الثقافة والفنون ما زالت تملك مفاتيح دخول بيوت العرب كلهم بغض النظر عن انتماءاتهم أو خلفياتهم! ومن هنا يكمن الدور الجوهري للثقافة والفنون في بناء أرضية تعارف بيننا تجعلنا نلمس بعمق أكبر نقاط تشابهنا الاجتماعي وأوجه تطابقنا الإنساني؛ فهي قادرة على جعلنا نجد أنفسنا في بعضنا البعض، فتسقط بذلك مشاعر التباعد تلقائيًا وتستقر مكانها روح التسامح وسلوك السماحة، ثم يعلو التّطلع لوحدة عربية جعلتها صراعات الماضي تبدو مستحيلة المنال. وتكمن قوة الثقافة والفن الأساسية في قدرتهما بلوغ الشعوب مباشرة ودون حواجز سياسية، ودخول قلوب أهلها دون مراعات لطبيعة الظروف الاقتصادية، ومحاورة عقولهم بهدوء رصين لا يحمل تعصبًا لإيديولوجية بعينها. الثقافة و الفن أملنا في تقوية وحدتنا دون انتظار قرارات سياسية جريئة تمضي في نفس الاتجاه!

أن للثقافة العربية مُثُلاً وقيمًا وآفاقًا إنسانية متفردة تجري فيها مجرى العناصر المكونة، فالعدل والسلام والمساواة والحرية وحق العلم، التسامح، والتكافل، واحترام العقل، وكرامة الإنسان، وغير ذلك من القيم الإنسانية المشتركة بين البشر، بديهيات أساسية في ذاتيتنا الثقافية، وفى تراثنا الديني والفكري، وهذه العناصر الإنسانية قادرة على الإسهام والمشاركة في إقامة نظام ثقافي دولي جديد، ذلك أن التحديات التي تشكل أزمة عالمنا المعاصر ليست اقتصادية أو سياسية فحسب، بل ثقافية بشكل أساسي؛ لأن التوترات والحروب تنشأ أولاً في الأفكار والرءوس وتزول أول ما تزول منها.

وقد أكدت مستجدات التغيرات العالمية المتلاحقة على مختلف الأصعدة، السياسية والاقتصادية والثقافية، على صدق وخصوبة المنطلقات النظرية للخطة الشاملة، وأن رؤيتها العامة لاتزال صالحة، بل وكاشفة لأبعاد تلك المتغيرات وتسارعها المطرد، فلا يزال صحيحاً أن التنمية الثقافية لابد من إنجازها كجزء من نسق أشمل للتنمية بأبعادها المختلفة اقتصادياً وسياسياً وتعليمياً وإعلامياً، ولاتزال ديمقراطية الثقافة شرطاً لفاعلية جهود التنمية، ولاتزال ديمقراطية الثقافة لا تنفصل عن ديمقراطية الحياة الاجتماعية، ونهوض المجتمع المدني بمختلف مؤسساته، ولاتزال الأهمية ملحة للتعامل الدينامي مع التراث الثقافي باعتباره كنزاً واسعاً من الخبرات والقيم والعطاء الحضاري، والأساس الذي تقوم عليه الهوية الثقافية العربية والجذر الذي يغذي طاقتها وثقتها بنفسها، ويلهم تطورات المستقبل، ولاتزال مهمة ردم الفجوة المطردة الاتساع بين وتيرة التسارع التحديثي البطيئة في ثقافتنا، وبين وتيرة التقدم العلمي والتكنولوجي متزايدة السرعة تتطلب إقامة التوازن بين التأثر والأصالة بالعمل على استيعاب التطورات التقنية جميعا على أسس إبداعية دون خوف، وبأن تتحقق التحولات الثقافية من خلال السمات القومية المتميزة.

 التعليم والثقافة

تبرز العلاقة بين التعليم والثقافة من الجهود العربية المدركة لضرورة التفاعل والتلاقي بين الشعوب العربية من ناحية ودول العالم ومنها آسيا الوسطى من ناحية أخرى، وربما تكون البداية من المؤسسة التعليمية، وما سيكون للمدرسة والجامعة من دور أساسي في ذلك، وهنا نذكر أيضًا قضية العلاقة بين (الذات / والآخر) بوصفها محورًا مركزيًا في سياق التنوع اللغوي والتعدد الثقافي ، والذي ينبغي أن يقوم على الاعتراف بالآخر وبضرورة الالتقاء والتفاعل مع كل دول العالم ومنها آسيا الوسطى بشكل أو بآخر، مع الحرص على بلورة الهوية والحفاظ على الخصوصية. وهنا يبرز كذلك دور المثقفين من العلماء والمفكرين العرب للتأثير على الحكومات وعلى المسئولين عن التربية والتعليم في الدول العربية للتركيز على تدريس اللغة العربية ورفع شأنها وتدريس التراث العربي القديم والتعريف بالعلماء العرب القدماء الذين كان لهم فضل كبير على النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر الميلادي، والذين استمدت العلوم الحديثة من اختراعاتهم واكتشافاتهم الكثير.

   إن مشكلات العولمة والثقافات الوطنية من أدق الموضوعات فى العالم المعاصر. تختلف اللغات والثقافات والعادات فى المجتمعات الإنسانية، وهذا التعدد ليست فيه مشكلة فى إطار التسامح بين البشر والمساواة والاحترام المتبادل. ولكن المشكلة تكمن فى أن بعض الدول أصبحت تملك القوة العلمية والاقتصادية والعسكرية...إلخ. إن العولمة يمكن أن تتحول إلى اتجاه قوى للتعاون فى العالم ضد الفقر والتخلف والحروب ومواجهة مشكلات البيئة والأوبئة والكوارث الطبيعية. ومن الخطر فهم العولمة على أنها حرية التجارة والأسواق المفتوحة فقط، دون الاهتمام بالجوانب الاجتماعية والسياسية والتعليمة والبيئية لحياة البشر كافة.

من ناحية أخرى، فإن التقنيات الحديثة تقنيات يفرضها التطور الراهن في مجال التكنولوجيا والعلوم المتطورة، وقد ظهرت على شكل ثورة لتعلن عن عصر جديد مليء بمفاهيم جديدة، تشغل الحياة الإنسانية بكل ما تحتويه من تطور علمي هائل يخدم البشرية من حيث الهدف الذي تصبو إلى تحقيقه عن طريق الأدوار التي تلعبها وسائل الاتصال في تقريب الأحداث إلى كل الدول، وتحويل المجتمع الواسع إلى قرية صغيرة، كل ما يقع فيها يصلنا في حيز زمني قصير، ومثال هذه الثورة هي الهاتف المحمول، والبث التلفزيوني باستعمال الساتل، والإنترنت،...إلخ. والقائمة طويلة في هذا الميدان الذي يتقدم مع تقدم الزمان. ولا ننسى أن هناك بعض التساؤلات التي تُطرح كلما ظهر اختراع جديد، حول اندثار حدود المكان، واختراق فواصل الزمان، والأثر الذي قد يلحقه بنا كمستهلكين، والقدرة التي يوفرها لنا كمنتجين! هل يملك شبابنا زمام هذه الثورة التكنولوجية الجديدة؟ وهل يستعملونها استعمالاً ملائمًا؟ وما أثرها على معارفهم وعلى التواصل فيما بينهم؟  وما الدور الذي تلعبه في تلاقح  الثقافات، وفي التعريف بالآخر وحضارته رغم البعد الزماني والمكاني المختلف؟ هل نحن عنصر منتج أم مجرد مستهلك فقط؟ وكيف يمكن الحديث عن ما يسمى بالتحيُّز أو الاستغلال الذي يمكن أن تلعبه هذه الوسائل لخدمة أغراض سياسية وإيديولوجية مختلفة؟

     من المهم في هذا الصدد تكوين وعي جديد بأهمية إتقان اللغة العربية والمعرفة الجيدة بلغة أجنبية أو أكثر من لغة؛ لذا يجب ألا يُنظر إلى عملية تعلُّم اللغات من منظور الترف الاجتماعي، وإنما هي فعل حضاري في غاية الأهمية في عصر العولمة، والتقنية، والانفجار المعرفي العالمي، والتحولات السياسة المتسارعة، والعلاقات الاقتصادية الدولية المتنامية، وبخاصة أن تلك الأهمية تنطوي على فوائد استراتيجية عُليا وأخرى تربوية تعليمية، وذلك يعود إلى أن اللغات وسيلة مهمة لنقل المعارف والعلوم من أمة إلى أخرى، وأداة لخلق تلاقح ثقافي بين مختلف الثقافات، وبمثابة حلقة وصل لزيادة أواصر التواصل بين شعوب العالم، وذلك كله حين تحققه على أرض الواقع يؤدي إلى عمارة صالحة للكون.

وبذلك يمكننا القول إن هناك علاقات مشتركة في الثقافة الإنسانية تعتمد على معرفة اللغة واستخدامها، تكون اللغة الحسية والنفسية والبصرية هي أوجه القراءة اللغوية بشكل خاص، ومن هنا نستدل أيضا على أن اللغة في أساسها هي محاكاة الواقع، ولو لم تكن كذلك، فلا يوجد أحد من أن يفهم تلك اللوحات إلا بلغة مكتوبة أو منطوقة ، وإن زيادة الثراء اللغوي ومفاهيمه نتج عنه تطور فكري ، فالفكر أسبق من الثقافة ، فكلما كنا أغنياء في ثقافتنا الروحية والفكرية نكون أكثر غنى في ثقافتنا المادية، ولا يتوقف على هذا الجانب، فالكثير من المجتمعات التي تحمل ثقافة ولغة ، ولكنها لا تحمل حضارة ، كالشعب الأفريقي مثلاً، ورُبَّ قائلٍ ما فائدة ذلك التطور الثقافي واللغوي إزاء تلك الحضارة، فيمكننا القول بأن هذا التطور يمكن أن يكون له حامل لغوي وثقافي، ولكنه ليس منتجا له، إن مفردات الثقافة هي متكثرة في الجوانب الحياتية، ولكن اللغة يمكن أن تفصل فيما بين المعضلات فيما بينها أو أنها هي الأداة التي تساعد على هضم الثقافة، وليست اللغة هي الطريقة الوحيدة في فهم الثقافة الإنسانية في حدودها الكلية؛ لأنها تشمل كل العادات والتقاليد والفنون والآداب والفلسفات، وهذا ما أشار إليه تايلور بقوله في تعريف الثقافة (هي الكل المركب من التقاليد وجميع المعارف والفنون والآداب والقانون ، وكل العادات المكتسبة من قبل الإنسان بوصفه عضوًا في هذا المجتمع)، كما جاء تعريفها في المعجم الفلسفي المختصر: "هي مجمل ألوان النشاط التحويري للإنسان والمجتمع".‏

وفي النهاية يمكننا القول إننا جميعًا مسئولون أمام ضمائرنا ومجتمعاتنا، فلنجعل الطريق طريق الخير والأمل والعمل الدؤوب، ولنبحث عن التكامل الثقافي والفكري والمعرفي الذي يقودنا نحو التطور والتقدم؛ فلنبحث عن السير نحو مستقبل أفضل، بدلاً من تعطيل العقول والتمادي في الخمول، ولنعمل للوصول إلى طريق الاستقرار، ولنحرص على وحدة العقول والأفكار، ولنكن مساهمين في تشييد البنيان والحفاظ على الأمن والأمان لعالمنا العربي العظيم الذي يتطلع إلى العلاقات القوية مع الشعوب التي تحبنا وتريد أن تتعاون معنا في كل المجالات كشعوب آسيا الوسطى كلها..

Rate this item
(0 votes)

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية