د.عبدالرحمن حجازي

 لا شكَّ أن "التطرف والإرهاب"، يستحيل مواجهتهما بالقوة الصلبة التي تتمثل في أدوات القوة من "جيش وشرطة" فقط، بل إن المواجهة الحقيقية مع هذه الظاهرة التي تفاقمت مع نهاية السبعينيات من القرن المنصرم، تستلزم حشد كل القوى المجتمعية (الصلبة والناعمة) من أجل مواجهتها مواجهة حاسمة. فالقوى الناعمة هي قاطرة المواجهة الموازية مع القوة الصلبة، ويقصد بها تلك الوسائل أو الأدوات التي من خلالها يتم صياغة الثقافة الجديدة لدى عقول الشعب المستهدف، بحيث يصبح المواطن واعيًا بالقدر الكافي، ومشاركًا بالتالي في المواجهة مع هذا التطرف وذاك الإرهاب اللذان يتلونان وفقًا لطبيعة المجتمعات، ولكن مركز صناعتهما هي أجهزة المخابرات الغربية التي لازالت تلعب دورها في إعادة إنتاج الاستعمار الغربي واستمراره، لدول العالم الثالث في مقدمتها دول الوطن العربي ومحيطه الشرق أوسطي، ولإعادة صياغة الثقافة السائدة وتحويلها من "ثقافة استسلامية" تتعاطي التطرف والإرهاب إلى "ثقافة مقاومة" لهذا الإرهاب والتطرف. وللتحول من "ثقافة الاستسلام إلى ثقافة المقاومة" للإرهاب والتطرف، تتفجر جملة التساؤلات، عن الجهة المسئولة وأدوات تحقيق ذلك.

نصت الاتفاقية فى المادة الأولى– البند الثانى، على تعريف للإرهاب وهو: "كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به أيًا كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذاً لشروع إجرامى فردى أو جماعى، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر".

 يمثل الإرهاب واحدًا من أكبر المخاطر التي تهدد السلامة والأمن الدوليين، وقد رفض المجتمع الدولي أيضا رفضا قطعيا ربط الإرهاب بجنسية أو بدين أو بعرق ما على الرغم من غياب تعريف واحد ومتفق عليه للإرهاب في القانون الدولي، فإن وصف عمل ما بأنه "عمل إرهابي"، لا يعني فقط أن ذلك الحدث يجمع بعض الخصائص لكن هذا الوصف يعني أيضا أنه لا يمكن قطعا تبريره بأي سبب سياسي أو فلسفي أو إيديولوجي أو جنسي أو عرقي أو ديني، أو بسبب أي شيء آخر، لكن يوجد تعريف مثير للجدل يشرع استعمال بعض أشكال العنف في حالات خاصة قد لا ترتقي بهذا المعنى إلى مفهوم الإرهاب، وعلاوة على ذلك قد يساء استعمال تعريف واسع جدا للإرهاب لكبت المعارضة وتهديد أسس المجتمعات الديمقراطية.

هل تصلح أساليب تنمية الإبداع بمختلف أنواعها (سواء الإجرائية أو التربوية أو العلاجية) لمواجهة ظاهرة الإرهاب ؟ وهل يفيد تطويع  أساليب الحل الإبداعي للمشكلات لمواجهة هذه الظاهرة متشعبة الأسباب؟

فإذا سلمنا بما تؤكده الدراسات النفسية المعاصرة بأن كل شخص مبدع بدرجة ما، وأن دوافع الإبداع تستمد طاقتها من المجتمع الذي يحيا بداخله الفرد،  وإذا  تبنينا تعريفًا للإبداع بأنه القدرة على التعبير الحر عن الأفكار، والمشاعر، والأفعال في ظل بناء نفسي له تكوينه الخاص، وسياق اجتماعي له خصائصه المركبة،  فإن التعرف على هذه الأفكار، والمشاعر، والأفعال من ناحية، والتعرف على مترتبات كبحها من ناحية ثانية، والتعرف على وسائل تحريرها من ناحية ثالثة، قد يكون مفيدا في فهم الآليات النفسية، والخبرات الإبداعية التي يمكن ان نواجه بها مختلف ظواهر التطرف الفكري، والإرهاب الإيديولوجي، والعنف المادي والمعنوي.

"إنما الأمم الأخلاق ما بقيت          فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا"

إن من الشعر لحكمة، وهذه الأبيات هي عبارة عن حكم ونوادر وكلام بليغ يستحق التقدير والتأمل، وهي كلمة جامعة لكل فعل يصف حال المجتمعات والشعوب، قالها الشاعر أحمد شوقي (رحمه الله) منذ بدايات القرن الماضي، وكأنه يصف الدواء لكل داء يصيب الأمم حينما يكون المصاب في السلوك والأخلاق، والتي ليس بمعناها الحرفي ولكن يقصد بها أي انحراف وتطرف عن كل ما هو مألوف ومتعارف عليه بين عادات وتقاليد ومبادئ وقيم المجتمعات، أو كل ما يخالف الفطرة الإنسانية السليمة المبنية على النقاء والتسامح والقدرة على التذوق والتمييز بين الصواب والخطأ وكل ما هو يرقى بالسلوك الإنساني .

ولعل أبرز ما يمكن ان يوصف بانحراف السلوك في المجتمعات هي ظاهرة العنف والإرهاب والتي تعبر عن التطرف الفكري والعقائدي وفرض الرأي والتعبير عنه بسيادية واستخدام ابشع الأساليب والطرق تصل أحيانا الى القتل وسفك الدماء.. إنه الإرهاب مرض العصر والذي تفشت أواصله بعد تراجع دور الوعي والثقافة وتأثيرها على المجتمعات.. إنها (القوة الناعمة)، تلك القوة التي على أساسها تنهض الدول وترتقي بمكانتها، إنها القوة التي جعلت من شوقي وغيره من رواد الأدب والشعر والفنون هم علامة لزمنهم.

ولدراسة ظاهرة الإرهاب مدخلان، أحدهما يتعلق بالشخص أو الجماعة ، والآخر يتعلق بالمجتمع أو السياق المحيط الذي يفرز هذا الشخص، أو هذه الجماعة.

وعلى هذا ، تتعلق العملية بدور تنمية التفكير الإبداعي كوسيلة لمواجهة ظاهرة التطرف الفكري (والإرهاب)، وكيف يمكن للتنشئة الإبداعية عبر مختلف آلياتها (الأسرية، والتعليمية، والثقافية، والاعلامية .. الخ) الحد من بزوغ أو تفاقم أو انتشار هذه الظاهرة.

لقد كانت الحرية وإعلاء قيمة الانسان هي الموضوعات محل اهتمام الفلاسفة والمفكرين عند تناولهم لمفهوم الإبداع المراوغ ، وكانت الحرية هي محك الحكم على البارزين و العباقرة. وامتد الأمر بعد ذلك للحكم على المجتمعات الأكثر إبداعًا في ضوء الدرجة التي يوفر بها المجتمع مناخًا ديموقراطيًا يُعلى من قيمة الحرية، وقيمة الإنسان. وقد تبنى فيما بعد مجموعات من العلماء و الباحثين هذا التوجه، ونظروا للدوافع المحركة للإبداع، من مدخل أن الإبداع هو أحد الوسائل التي يتكئ عليها الإنسان لبلوغ الحرية.

من ناحية أخرى، فإن الإبداع والديموقراطية يعارضان الاستبداد وسيادة الرأي أو الشكل الواحد؛  فتعارض الديموقراطية سيادة الإرادة أو التوجه الواحد. ويتمسك الإبداع بضرورة مراعاة التعدد على المستويات كافة للإفادة من مختلف التجارب، والانفتاح على كل الأفكارتويات، وتؤمن الديموقراطية بأن مكامن القوة في المجتمع متعددة ومختلفة، وأن كل تمركز للسلطة يكون على حساب إقصاء ذلك التعدد والاختلاف سواء على المستوى الأخلاقي أو على المستوى السياسي أو غيرهما. فحرمان مكونات المجتمع من طاقاتها المبدعة، معناه حرمانه من مكوناته الخلَّاقة. ويلتقي الإبداع والديموقراطية في تقديرهما الكبير للحياة عمومًا، وللإنسان على وجه الخصوص. وقد ارتبط الإبداع منذ نشأته بالاهتمام بالحياة وتقديرها، كما ركز على المقومات التي يملكها الفكر الإنساني، وعلى ضرورة توظيفها من أجل تقدير الحياة، وعليه لا يستطيع المبدع– في مجالات الإبداع كافة– من عدم اقتراح الديموقرطية على مستوى الفعل السياسي والثقافي والاجتماعي؛ لأنها هي وحدها التي ستسمح بخلق محيط مناسب لتقدير الإنسان والحياة معًا.

 

Rate this item
(0 votes)

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية