د.عبدالرحمن حجازي

            يعتبر الفن النتاج الإبداعي الإنساني الراقي؛ حيث يعتبر لونًا من ألوان الثقافة الإنسانية، كما أنه تعبير عن الأحاسيس والشعور بهدف الارتقاء بالإنسان؛ حيث يشكل فيه المواد لتعبر عن فكره أو تترجم أحاسيسه أو ما يراه من صور وأشكال يجسدها في أعماله، كما أن هناك فنونًا بصرية كالرسم والنحت والعمارة والتصميم الداخلي والتصوير وفنونًا زخرفية وأعمالاً يدوية وغيرها من الأعمال المرئية، كما أن هناك فنونًا إبداعية تخضع للحواس والشعور كفن الرقص أو الموسيقى أو الغناء أو الأدب أو التأليف والتلحين الموسيقي...إلخ.

     إن الفارابي(أبو نصر محمد بن طرخان الفارابي) ولد في مدينة ( فاراب ) سنة 865 ميلادية، وخرج صغيرًا إلى مدينة بغداد؛ حيث تعلم اللغة العربية والطب والفلسفة والمنطق والموسيقى، ثم رحل إلى مدينة حلب، وفيها كتب أكثر مؤلفاته في عهد الأمير سيف الدولة الحمداني الذي استضافه طيلة حياته، واشتُهر بحسن عزفه ومقدرته على التأثير في الناس، وتوفي بدمشق سنة 905م.

    لقد ألَّف الفارابي العديد من الكتب والرسائل خلال حياته وأسفاره؛ فقد ذكر مؤرخو العلوم أنه ألَّف أكثر من مائة مُؤَلَّف، ألَّف في المنطق خمسًا وعشرين رسالة، وكتب أحد عشر شرحًا على منطق أرسطو، وسبعة شروح أخرى على سائر مؤلفات أرسطو، ووضع أربعة مداخل لفلسفة أرسطو، وخمسة مداخل للفلسفة عامة، وعشر رسائل دفاعًا عن أرسطو وأفلاطون وبطليموس وإقليدس، وخمسة عشر كتابًا في ما وراء الطبيعة، وسبعة كتب في الموسيقى وفن الشعر، وستة كتب في الأخلاق والسياسة، وثلاثة كتب في علم النفس.
    ووضع تصنيفًا للعلوم في كتابه: إحصاء العلوم وترتيبها والتعريف بأغراضها، ومعظم كُتب الفارابي ورسائله وشروحه مفقودة، وبعضها لا يوجد إلا في ترجمات عبرية، ومن كتبه في علوم الحياة: المدينة الفاضلة، تحصيل السعادة، سياسة المدينة، أصل العلوم . ومن أهم رسائله في علوم الحياة: علم النفس، الحكمة، فصوص الحكمة، أسماء العقل.
      ولعل من أهم كتبه: "الموسيقى الكبير" الذي قال عنه الدكتور محمود أحمد الحنفي في مقدمته "يعد أكمل ما كتبه العرب عن الموسيقى منذ ذلك التاريخ إلى وقتنا هذا". وله في الموسيقى أيضًا كُتب منها: المدخل إلى صناعة الموسيقى ، الموسيقى. وله في الفيزياء: المقالات الرفيعة في أصول علم الطبيعة . وله في الطب: فصل في الطب ، علم المزاج والأوزان . المبادئ التي بها قوام الأجسام والأمراض . وله في الرياضيات: المدخل إلى الهندسة الوهمية . الأسرار الطبيعية في دقائق الأشكال الهندسية . وله في الفلك: كتاب: تعليق في النجوم . مقالة: الجهة التي يصح عليها القول في أحكام النجوم . وقد رفض الفارابي صناعة التنجيم، وأظهر فساد علم أحكام النجوم في رسائل، ومن أهمها رسالته العلمية: "النكت فيما لا يصح من أحكام النجوم".
وما تبقى من مؤلفاته المنطقية والفلسفية وشروحه لأرسطو جعل منه مفكرًا إسلاميًّا مُلقَّبًا بالمعلم الثاني، وكان له أثر كبير في الفكر الأوربي والفكر العربي، ومنها: الحروف، الألفاظ المستعملة في المنطق، القياس، التحليل، الأمكنة المغلطة، الجدل، العبارة ، المقولات، الفصول الخمسة لإيساغوجي، البرهان .
ومن كتبه أيضا: شرح كتاب "المجسطي" في علم الهيئة لبطليموس، و"شرح المقالتين الأولى والخامسة من كتاب إقليدس في الهندسة"، وكتاب في المدخل إلى الهندسة الوهمية، وكلام في حركة الفلك، ومقالة في صناعة الكيمياء. وفي كتابه "إحصاء العلوم" قسَّم الفارابي العلوم، إلى ثماني مجموعات، ثم ذكر فروع كل مجموعة، وموضوع كل فرع منها، وأغراضه، وفوائده.           
        وعلى الرغم من شهرة الفارابي في الفلسفة والمنطق، فقد كانت له إسهامات مهمة في علوم أخرى كالرياضيات والطب والفيزياء؛ فقد برهن في الفيزياء على وجود الفراغ، وتتجلى أهم إسهاماته العلمية في كتابه "إحصاء العلوم" الذي وضع فيه المبادئ الأساسية للعلوم وتصنيفها؛ حيث صنف العلوم إلى مجموعات وفروع، وبيَّن موضوعات كل فرع وفوائده.
        وبجانب إسهامات الفارابي في الفلسفة؛ فقد برز في الموسيقى، وكانت رسالته فيها النواة الأولى لفكرة اللوغارتم حسب ما جاء في كتاب "تراث الإسلام"، حيث يقول كارا دي فو: "أما الفارابي الأستاذ الثاني بعد أرسطو وأحد أساطين الأفلاطونية الحديثة ذو العقلية التي وعت فلسفة الأقدمين؛ فقد كتب رسالة جليلة في الموسيقى، وهو الفن الذي برز فيه، نجد فيها أول جرثومة لفكرة النسب (اللوغارتم)، ومنها نعرف علاقة الرياضيات بالموسيقى". وتؤكد زغريد هونكه الفكرة نفسها حين تقول: "إن اهتمام الفارابي بالموسيقى ومبادئ النغم والإيقاع قد قربه قاب قوسين أو أدنى من علم اللوغارتم الذي يكمن بصورة مصغرة في كتابه عناصر فن الموسيقى".
         سجل مؤرخو الموسيقى أن الفارابي قد طوَّر آلة القانون الموسيقية، وأنه أول مَن قدَّم وصفًا لآلة الرباب الموسيقية ذات الوتر الواحد والوترين المتساويين في الغلظة، وأنه أول مَن عرف صناعة الموسيقى ومصطلح الموسيقى، وأنه قد وضع بعض المصطلحات الموسيقية وأسماء الأصوات التي لا تزال تستعمل إلى اليوم. ويعد الفارابي أول مَن عرف علاقة الرياضيات بالموسيقى، ومن هذه العلاقة كانت بوادر علم اللوغاريتمات، وقد أكد ذلك العلماء الغربيون، وربما كان هذا هو السر الذي يكمن في اهتمام الفارابي بالموسيقى ومبادئ النغم والإيقاع، ويظهر ذلك في كتابه الموسيقى الكبير.

تعريف الموسيقى

 عرَّف الفارابي الموسيقى من خلال مجالين اثنين؛ فالمجال العام كان يعني عنده أن (كل مجموعة من النغم رتبت ترتيبًا محددًا منفردة أو مقترنة بالكلام)، والمجال الثاني كان من حيث الصناعة (تشتمل على الألحان والمبادئ التي بها تلتئم وما بها تصير أكمل وأجود). ومن خلال هذا التعريف يمكننا أن نخلص إلى البواكير الأولى لتاريخ الموسيقى في رأيه؛ فهو يراعي في الموسيقى لونًا من ألوان الفطرة الإنسانية (إن أوائل الفنون تكون مع الإنسان طبعًا وفطرةً غير أن الإنسان لا يحس مما فطر عليه إلا بعد إعمال النظر أو توجيه متخصص بالتنظير).

، ومع هذا فإنه عاد مرة أخرى وأهمل هذه الدعوة ، إنه لم يشر إليها في كتابه الأخير (إحصاء العلوم)

لقد تصور الفارابي بأن الإنسان استحدث الموسيقى تحقيقًا وإيفاءً لفطرته) وكانت هذه الترنيمات والتلحينات والتنغيمات تنشأ قليلاً قليلاً وفي زمان بعد زمان وفي قوم بعد قوم حتى تزايدت). والفارابي مع هذا قرر حقيقة مهمة، وهي : "أن صوت الإنسان أقدر وأكثر تنوعًا على إبداع الأصوات الموسيقية من الآلات، وأن هذه الآلات لتضخم وتزين وتحفظ أنغام الألحان الإنسانية ".

    لقد رفض الفارابي فكرة صدور الموسيقى عن حركات النجوم ، وهي فكرة نسبت إلى فيثاغورس؛ حيث قال : " وما يعتقده الفيثاغورس في الأفلاك والكواكب أنها تحدث بحركاتها نغمًا تأليفية فذلك باطل، وقد تخص في العلم الطبيعي أن الذي قالوه غير ممكن" .

أقسام الموسيقى:

      لم ينس الفارابي أن يقسم الموسيقى إلى قسمين : (العملية) و(النظرية)، وكانت الأخيرة تعني عنده "هيئة تنطلق عالمة بالألحان ولواحقها من تصورات صادقة سابقة حاصلة في النفس" الموسيقى الكبير /83.أما العملية فكانت" إحداث الألحان بأدائها او صياغتها". لقد فضل الفارابي الموسيقى النظرية على العملية ، ولكنه مع هذا فإنه قد وضح العلاقة بينهما،  وقال بأنها علاقة وثيقة ومزدوجة. الفارابي /242.

 لقد قسَّم الفارابي الموسيقى باعتبار غايتها إلى ثلاثة أقسام:

  1. قسم يكسب النفس لذة وراحة فحسب، وسماها: (الألحان المريحة).
  2. قسم يحدث تخيلات وتصورات، وسماها (الألحان المخيلة).
  3. قسم يحدث الانفعالات، وسماها ( الألحان الانفعالية) .

 ومع هذا، فإن الفارابي أكد تداخل هذه الأقسام كلها للوصول إلى غاية واحدة، وركز على مسألة الانفعالات، وقسمها إلى ثلاثة أقسام نحصل عليها من خلال هذه الألحان:

  1. ألحان مقوية – نحصل على انفعالات قوية.
  2. ألحان ملينة – نحصل على انفعالات ملينة.
  3. ألحان معدلة – نحصل على انفعالات مستقرة.

      والذي يهمنا الآن هو أثره في الموسيقى؛ حيث إن أكثر المؤلفات بيَّنت مقدرته الفذة في مجال الموسيقى؛ فقال فارمر :"وأتقن علم الموسيقى، وأنه عوَّاد رائع، وأغرت شهرته الموسيقية سيف الدولة الأمير الحمداني بدعوته للإقامة في حلب" .و"قد كان في علم صناعة الموسيقى وعملها قد وصل إلى غايتها وإتقانها لا مزيد عليه". وقد مارس الفارابي فنون الغناء؛ فقد كان وهو صبي يضرب على العود ويغني، وعندما كبر ترك الغناء، إلا أنه لم يترك الموسيقى بل استمر على دراستها والضرب على الآلات الموسيقية المختلفة). وروى ابن خلكان "أن الفارابي عزف في بلاط سيف الدولة ثلاثة ألحان مختلفة؛ فأضحك الحاضرين، ثم أبكاهم، ثم تركهم نيامًا".

      اخترع الفارابي آلاتٍ كثيرةً في الموسيقى من أهمها (القانون)، وقد اخترع الفارابي هذه الآلة العجيبة الصنع الغريبة التركيب ، فجاءت آية من آيات الفن، وأنه لم يخترع آلة القانون وحدها بل اخترع آلة موسيقية غيرها تتألف من عيدان يركبها ويضرب عليها؛ فكلما اختلف تركيبها اختلفت أنغامها. أما (العود) الذي يزعم البعض أن الفارابي اخترعه، وهذا الشيء غير مؤكد؛ حيث إن العود من مخترعات الأمم السابقة، وليس للفارابي أي علاقة فيه، ويجوز أنه أتقنه وزاد فيه ألحانًا، وقد أكد ذلك الحلفي؛ حيث قال : "لم يبدع العود قط بعد أن علمت أنه مخترعات الأمم السابقة، ولكنه زاد فيه أنغامًا وأتقنه". وقسم من الباحثين يضيف إلى أن الفارابي أضاف الوتر الخامس إلى العود … وقسم آخر يؤكد أن الفارابي يعرف هذا الوتر الخامس (في العود) ، ولكن يبدو أنه لم يكن عنده إلا رمزًا نظريًا. وقد اخترع أيضًا آلة (الكرج)، وهي آلة للرقص مصنوعة على هيئة تماثيل لخيول غير مسرجة من الخشب معلقة بأطراف أقبية، وقد صنعها الفارابي لما مات والده وجعله على طبائع الإنسان، وقال هذا أبي ليتسلى به وعمل له لوالب ترتبط فيه الأوتار وتعرك؛ أي أن يضبط الساز إن شاء حاذقًا وإن شاء رخيمًا، ولكنه لم يجوف له بطنًا ولم يثقب وجهه بل جعله مسدودًا. وكان للفارابي اختراعات أخرى قال الغزيري إن مخطوط الفارابي في مدريد يحتوي على ما يزيد على (30) تصميمًا للآلات الموسيقية.

مؤلفاته الموسيقية :

تأثر الفارابي في موسيقاه بالموسيقى الإغريقية، وإن كان هذا التأثر يأخذ أشكالاً وأشكالاً. ولقد ألَّف أربعة كتب في الموسيقى هي :

  1. كتاب كلام في الموسيقى.
  2.  كتاب إحصاء الإيقاع.
  3. كتاب في النقلة.
  4.  كتاب الموسيقى الكبير.

    وقد ضاعت الكتب الثلاثة الأولى، ولم يبق إلا الكتاب الأخير الذي نشر أخيرًا وحقق، وقد ترجم كتاب الموسيقى الكبير إلى اللغات الأوربية، وله مخطوطات محفوظة في مكتبات ليدن ومدريد وميلانو وإستانبول وبرنستون، وإن هذا الكتاب أُلِّفَ في جزأين، وبقي الجزء الأول وفقد الجزء الثاني، وقال (فارم) عنه :" كتب الفارابي مجلدًا ثانيًا لم يصلنا هو (كتاب الموسيقى الكبير)، وكان يحوي أربع مقالات يقول فيها (أي الفارابي) إنه اختبر نظريات الإغريق وعلق عليها"، وقد نشر (كتاب الموسيقى الكبير) بتحقيق وشرح غطاس خشبة، ومراجعة محمود الحفني ، القاهرة ، دار الكتاب العربي للنشر،وطبع طبعات مختلفة أشهرها طبعة دار الكتب المصرية. وقد وصف كارديني كتاب الموسيقى وقال عنه : "إنه أهم أطروحة في تنظيم الموسيقى الشرقية …"، بينما قال عنه( فارمر) : " إنها تقدم لنا جوانب مبتكرة تعالج لأول مرة في تاريخ هذا الفن"، وقيل عنه : "لولا الفارابي لبقي علم الموسيقى كما هو عليه في ذلك الزمن إلى يومنا هذا".

Rate this item
(0 votes)

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية