كتب | الباحث التاريخي سامح طلعت

بطولات مصرية يجهلها التاريخ

 

قصة ( شهيدة منسية ) من كتاب التاريخ 
المناضلة شفيقة محمد


لم تكن المرأة المصرية أقل إقداماً وشجاعة من الرجال في طلب الإستقلال والحرية فى ثورات مصر .. أهم هذه المواقف .. ثورة ١٩١٩ .
حيث شهدت شوارع القاهرة لأول مرة في تاريخ مصر الحديث .. مُظاهرات نسائية صِرفة ترفع الأعلام وتهتف للحرية وتنادى بسقوط الإحتلال والحماية ...


في يوم ١٦ مارس ١٩١٩ .. أي بعد نفى سعد ورفاقه إلى مالطة .. خرجت أول مظاهرة نسائية وكانت تضم ٣٠٠ سيدة وخرجن من منطقة جاردن سيتى وسرن ماشيات حتى وصلن إلى بيت الأمة .. بيت سعد زغلول .. هاتفات .. تحيا مصر ويحيا سعد .. فضرب البوليس الإنجليزي حِصاراً حولهُن لمدة ساعتين .. وهن واقفات في الشمس .. وأرسلن باحتجاجهن إلى سفارات الدول .. فإحتج القُنصل الأمريكي على هذه الفظاعة .. فصدر الأمر سريعاً برفع الحصار وتمكين السيدات من الخروج من النطاق المضروب حولهن .. و إنصرفن إلى بيوتهن بعد أن وقفن إلى جانب الثوار مُحتجات على قتل الأبرياء مطالبات بحرية مصر 


في يوم ١٠ ابريل سقطت شفيقة محمد شهيدة وهي سيدة أرملة كانت ترعى طفلاً يتيماً .. كان عمرها ٢٨ سنة .. وهى أول إمرأة مصرية تسقط برصاص الانجليز منذ إندلاع الثورة 
أما قصة إستشهادها فهي على النحو التالي :


شاركت شفيقة محمد في مظاهرات ١٩١٩ .. وكانت فى إحدى المظاهرات .. وهى مظاهرة كبيرة ضمت عدد كبير من النساء وسرن في الشوارع حتى وصلن مقر المعتمد البريطاني .. وطلبن مقابلته .. ليرفعن إليه إحتجاجًا مكتوباً .. فمنعنهن العسكر الانجليز .. وضربوا حولهن حصارا بالبنادق .. ورغم ذلك تقدمت واحدة منهن " شفيقة محمد "وهى تحمل العلم في يد والإحتجاج في اليد الأخرى .. وجرت حتى وصلت إلى مكتب " ملن شيتهام " فتناول الإحتجاج من شفيقة ودعاها للدخول إلى مكتبه فدخلت وراءه 


يا لها من جرأة تُحسد عليها .. يطلب منها القائم بأعمال الإحتلال الجلوس في مكتبه فترفض فى عِزة نفس وكبرياء لا مثيل لها .. فتصفح شيتهام الإحتجاج وتظاهر بأنه لم يفهمه .. مع أنه يجيد اللغة العربية قراءة وكتابة وقال لشفيقة : ماذا تريدين؟ فأجابت .. إنه إحتجاج على الأعمال الوحشية التي يعاملنا بها جنودكم بدون ذنب .. إلا إننا نطالب بحرية مصر وإستقلالها ! وفى قمة التبجح وبدم انجليزي بارد ؟!


سألها "شيتهام " وما تلك الأعمال الوحشية ؟! فقالت : ضرب النار على أولادنا وأطفالنا الأبرياء ورجالنا المجردين من السلاح لمجرد إحتجاجهم بالمظاهرات السلمية على منع زُعمائنا من السفر لعرض قضيتنا في مؤتمر السلام


سألها مرة ثانية : وهل هناك أشياء أخرى فأجابت نعم نحتج على إعتقال زعمائنا ونفيهم إلى مالطة .
وفى تحد إستفزازي غريب من نوعه .. وبدلاً من إحتواء المُعتمد البريطاني للموقف .. زاد الموقف إشتعالاً .. وسيطر عليه جنون العظمة وبدء يخاطبها كما يُخاطب الأب المتغطرس ابنته .. قائلاً :
" تلك هي المرة الأخيرة التي نراك فيها تشاركين فى المظاهرات ، وإلا سيكون مصيرك الإعتقال " قالت شفيقة " ستروني في كل مظاهرة وغادرت الغرفة بخطى ثابتة وهى رافعة الرأس والعلم في يدها "
ثم كانت الفاجعة !


وفتحت الباب وأغلق الحارس الباب خلفها ، ومزق المندوب السامي الاحتجاج وألقى به في سلة المهملات ، وقطع سُكُون الموقف طلقات الرصاص الغادرة تنهمر على جسد "شفيقة محمد" وتخترقه, فتحولت إلى جثة هامدة مضرجة في دمائها الذكية .


وهتفن زميلاتها .. " تحيا ضحايا الحرية ، في ذمة الله يا شفيقة " وعقبت رائدة الحركة النسائية فى ذلك الوقت "هدى شعرواى" على إستشهاد شفيقة محمد قائلة :
" فلن أنسى الأثر المُحزن الذي أحدثه ضرب أول شهيدة مصرية وهى السيدة شفيقة بنت محمد فى نفوس الشعب عامة ، و قد تجلى ذلك فى تشييع جنازتها التي إشتركت فيها كل طبقات الأمة حتى صارت جنازتها مظهراً من مظاهر الوطنية المشتعلة "


وهتفن النساء المُشاركات في تلك الجنازة التي تحولت إلى مظاهرة شعبية حاشدة .. تحيا ضحايا الحرية .. في ذمة الله يا شفيقة .. مُعلنات بذلك أن شفيقة لن تكون الأخيرة في قطار شهيدات الحرية والاستقلال .. فلحق بها شهيدات أخريات .. حميدة خليل ، سيدة حسن ، عائشة محمد ، عائشة عمر وغيرهن ... سُطرت أسمائهم أيضاً فى سجلات الشرف ...


هذه صورة مشرفة لتاريخ نضال سيدة .. وقفت في وجه أعلى سلطة بريطانية في مصر في ذلك الوقت .. صورة لسيدة من أبطال الظل .. أولئك الأبطال الذين لعبوا دورًا كبيراً ولا يسلط عليهم ضوء أو شعاع .. كل ما نالوه فقط هي سطور قليلة في صفحات التاريخ .. تلك السطور التي نهملها في الأغلب .. رغم أن خلفها .. بطولات عظيمة .. لو تعمقنا فيها لتغير وجه كتابة التاريخ .. فتحية لتلك المرأة المجهولة في صفحات التاريخ .. شفيقة وغيرها .. تحية لكل بطل من أبطال الظل الذين لم ينالوا حقوقهم .. رغم ما بذلوه من جهد جهيد .. لعله يأتي يوم وينتقل هؤلاء من الظل إلى الضوء ومن الخفاء إلى العلن !

 

 

Rate this item
(1 Vote)

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية