مرحبا اصدقاء،

بعد أن كنا! نبحث في البنغال الهندية وربوعها المزهرة، عن الحكمة، عن المعرفة، عن الكلمة، عن الأدب، وعن الفن والابداع. وبعد ان كانت محاولاتنا لمزج نسيم البنغال مع نسيم دجلة والفرات، اصبحنا اليوم غير ماكنا عليه بالأمس للأسف! اصبحنا نتهم الكاتب

والاديب، الشاعر والفنان بأنه عدو للدولة، وعدو للمملكة، وعدو للجمهورية وأنه يغرر بالمواطن العربي! ويلمح له! وأنهم يحرضون الناس على تغيير واقعهم "المفضل لديهم"! بكتاباتهم ومروياتهم وابداعاتهم المتجددة على انها "مبطنة" لحد الجاسوسية، كما يتهمهم

البعض! وعلى المتكلم ان يكون الشاهد تحت عبائته حين الطلب، فشاهدنا الاول معنا اليوم حي يرزق، والشاهد الثاني قد توفي، لكن لسانه لازال ينطق اعني به (طاغور)، ألا يكفي ان العالم كله يعرفه بحق؟!

واعني بالشاهد الاول الاديبة الروائية عبير المعداوي، وكانها مذهولة من حدث لم يكن بحسبانها!

تقول الاديبة عبير المعداوي:

[[...مش ممكن تتخيلوا رحمة ربنا بِنَا

بينما كنت في قلب الآسى و الإحباط

فجأة يأتي لي إتصالين

كلاهما بشرى و فرحة كبيرة و انتصار عظيم

أن يتم إختياري 2020 لأكون روائية العام عربيا و مصريا في الصين

شيء لم أكن أصدقه

أن يتم ترشيحي لشيء مهم بجوار المجموعة

هو أمر أكثر من الخيال و الروعة

أن يتم إختياري من الرموز المؤثرة في الوطن الأخضر هذا تقدير و اعتزاز أفتخر به و بمن إهتم بعملي...]]

لكن في نظري Riad Turki ان التنين الصيني قد اختطفك! ونحن لانعلم! هذا التنين يسمع (تغريداتك) من على شجرة مثمرة, وعن بعد شاسع، ونحن لانسمع تغريداتك! ولانرى ثمارك على اشجار (الوطن الاخضر كما وصفتيه)! انا اعلم ان هذا ( الوطن الاخضر) اعلم

بكل تفاصيله وفصوله، وحري بالتنين الصيني ان يختطفك بفضوله، ويحملك على جناحه عابراً كل القارات ليقدم لك ثمار مجهودك ويضعك في موضعك الصحيح. ويضع على رأسك التاج الملكي وهو استحقاقك، وثمرة التعب، وقد جنيتي الثمار بجدارة. فأقل مايقدمه لك

(الوطن الاخضر) حين يسمع تغريداتك كحمامة سلام هو الحسد فقط!هذا ان سمعك! فمنهم من لايلوي لك اهتماما! ومنهم من يعتذر، ومنهم من يغدر! لكن المفاجئة هذه ستجعلهم يندمون! واتذكر ماقلتيه في يوم من الايام :((أحبائي

ربما تعاند الحياة و تقسوا علينا

لكنها تأتي و تحنوا بقلبها الطيب

فلا يجب أبدا أن نحزن على اَي شيء

النجاح و التقدم

خير جائزة))

كلامك هذا كنشيج ربابة يئن بلغته الحزينة! وبوتر يتيم!

اما اليوم هو ليس كالامس! ولنرجع قليلا الى الماضي ففـي العشرين من أيار / مايو عام 1932 زار بغداد الشاعر الهندي الفـيلسوف الكبير (رابندرانات طاغور) (1861/1941) بدعوة من فـيصل الاول، ملك العراق. لقد استقبل طاغور فـي بغداد اروع استقبال من قبل

السياسيين والشعراء والادباء، وكان فـي مقدمتهم السيد محمد الصدر، وجعفر باشا العسكري ومحمد بهجة الاثري، ومعروف الرصافـي وجميل صدقي الزهاوي، ونوري ثابت صاحب جريدة (حبزبوز) وغيرهم من الوجوه المعروفة انذاك.

بتاريخ 2 من حزيران 1932، نشرت احدى الصحف العراقية هذا العنوان : (رابندرانات طاغور – من خانقين الى بغداد) نقلت الاخت سهيلة داود سلمان جانبا منها فـي جريدة (الزمان) الطبعة البغدادية، العدد 2178 فـي 3 من آب 2005، ص 13 جاء فـيها:(الشاعر الاكبر

على الحدود، الساعة العاشرة والنصف صباحا، والشمس وضاحة الجبين، لاغيم يسترها ولا غبار عندما كنا فـي دائرة جوازات السفر على الحدود العراقية، كنا ننتظر بفارغ الصبر سيارة الضيف المحبوب. لم يطل الانتظار حتى وافت السيارة تتبعها اخرى، تقدمت نحونا ببطء واذ صارت على مقربة منا، تطلعنا فاذا هي تحمل من اوفدنا لاستقباله ومدّ رأسه قليلا من نافذة السيارة، تبدو على محياه امارات البش الممزوج بعناء السفر، وابتسم ابتسامة خفـيفة وهو يصافح شاعرنا الكبير جميل صدقي الزهاوي،رئيس الوفد: يرحب العراق بشاعر الشرق العظيم، ويحييه ويحيي فـيه العبقرية والنبوغ. كانت تلك الكلمات القليلة الجامعة التي خاطب بها الزهاوي ضيف العراق، فكان جواب طاغور كلمات موجزة ايضا، قالها الشاعر الكبير بصوت خفـيض: (انني لسعيد بهذه الحفاوة، وفخور بمجيء شاعر العرب لتحيتي تحية شاعر لشاعر). وتقدم الى طاغور اعضاء الوفد واحدا فواحداً، يصافحونه مرحبين به وبـ (كنته) وسكرتيره، ثم رجوه ان يتفضل بالنزول من السيارة لاخذ رسم تذكاري على الحدود مع اعضاء الوفد، فلبى الرجاء عن طيب خاطر. ومما قاله طاغور: (انني ارجو ان يكون العراق حاضرة الامن والسلام والمحبة والوحدة) فاجابه الوفد: (ان العراق لفخور بوحدته، معتز بهذه الوحدة المقدسة بين ابنائه على اختلاف طبقاتهم واديانهم).

ترى لو عاد الشاعر الكبير طاغور الى الحياة وزار العراق حاليا، فماذا سيقول له العراقيون؟ وماذا سيقول هو عن حال العراق والعراقيين بعد الاحتلال؟! وتنقل لنا الاخت سهيلة عن اخر مساء قضاه طاغور فـي بغداد على ضفاف دجلة فتقول، ان احتفالات عديدة اقيمت لضيف العراق الكريم الدكتور رابندرانات طاغور طوال الايام العشرة التي قضاها فـي بغداد، كان فـي كلها موضع حفاوة واجلال واعزاز، وكان الاحتفال الاخير الذي اقيم للشاعر الكبير مساء الاحد الماضي – ولم يذكر التاريخ بالتحديد – كان اكثر الاحتفالات جمالا – واشدها اثرا فـي النفوس. لقد كان احتفال الوداع. ففـي قصر الشابندر المطل على شواطئ الكاورية فـي دجلة، اجتمع لفـيف من الادباء والصحفـيين، يحيطون بالضيف العزيز، كل شيء كان سحريا، شعريا، الطبيعة هادئة، النسيم عليل، الازهار يفوح شذاها، النهر يجري رقراقا، والمغنية العراقية الشهيرة الست جليلة تطرب فـي هذا الاجتماع الشاعر العالمي الذي رغب فـي استماع موسيقانا وغنائنا باعذب الاغاني العراقية الشجية، مصحوبة بانغام جوقها المبدع. وفـي امسية الوداع، انبرى الصحفـي والاديب العراقي ابراهيم حلمي العمر، فارتجل كلمة وداعية كلها رقة وبلاغة، وقد اجابه المحتفى به كلمة ارق وابلغ ثم دعا صاحب مجلة (الحاصد) (وهو انور شاؤول) ليلقي كلمة باسم الصحفـيين، فارتجل كلمة مناسبة جاء فـيها: (.. ازهار شاعرية طاغور كانت تنعش القريب والبعيد، ونهر حكمه الفـياض كان ومازال يسقي عالما باسره. ان طاغور كالشمس كان ومازال يبعث بالاشعة الى مرتفعات الجبال واعماق الاودية اشرقا كان ام غربا، جنوبا ام شمالا). شكر طاغور الصحافة العراقية والعراقيين كافة، ثم القى نظرة على دجلة، وتنشق هواء العراق ملء رئتيه، وتطلع الى عقد المصابيح الكهربائية الخافقة فـي تلك الساعة التذكارية الجميلة – حيث كانت الكهرباء لا تنقطع فـي بغداد – وقال الشاعر الكبير معروف الرصافـي معلقا:

(ان هذا الخفوق وهذه المناظر الطبيعية الخلابة لافصح منا لسانا، واقدر على التعبير عما فـي الصدر فـي مثل هذه المواقف).لقد ودع طاغور بغداد الوداع الاخير، بغداد ان حقق امنيته فـي زيارتها والتمتع بجمالها وبجمال دجلتها واللقاء مع نخبة من ادبائها وباهلها الطيبيين الذين ما عرفوا للطائفـية والمذهبية معنى، ولا عرفوا للتفجيرات والمفخات معنى، ولم ينس طاغور ان يخلد ذكراه فـي بغداد بنظم اغنية بعنوان (يا بلبل غن الجيرانا) غنتها له المطربة زكية جورج فـي عام 1932.

يا بلبل غن الجيرانا

غن وتفنن الحانا

فـينتهم سرقت قلبي

وليبق لديها جذلانا

ولحقل ابيها من حقلي

تتطاير اسراب النحل

فعشقت النحلة من حبي

ووجدت فريستها عقلي

ازهار حديقتها تشري

فـي السوق وتملأها بشرا

لو كنت غنيا ذا كسب

لشربت الباعة والزهرا.

هكذا كانت كلمات الاغاني، وهكذا كانت الاصوات الاصيلة تصدح بالالحان والكلمات الرقيقة المعبرة، اما اليوم، فقد بدأنا نسمع اغنية من قبيل : (يمه كرصتني عكربه)! او (التلدغة الحية يخاف من جرة الحبل) الى آخر الهذيان!.

Rate this item
(0 votes)

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية