في كتابه «البحث عن الذات» يعترف الرئيس المصري محمد أنور السادات بالدور الأمريكي في عملية صناعة الرؤساء والملوك في الشرق الأوسط، والتدخل نفسه يصل إلى حد اختيار ولي العهد أو نائب الرئيس عبر الموافقة على الاسم المطروح أو رفضه ضمن سياسة المحافظة على التحالفات القائمة، هذا الدور نفسه يرى البعض أنه برز بشدة في ثورات الربيع العربي عام 2011، حين تدخلت الأنظمة الكبرى لحماية رؤوساء، بينما تجاهلت شخصيات بعينها.

وعقب نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 برزت الزعامات الدينية باعتبارها مصدر القلق الأكبر الذي يُزعج الحسابات الأمريكية في الدول التي ترتبط معها بمصالح نظرًا لأنهم على غير العادة نجحوا في إرباك التحالفات الكبرى التي تمتلك القوة المُطلقة في المنطقة.

عبد الملك الحوثي.. الشابُ الذي أربك السعودية وغيّر مسار الثورة اليمنية

في عام 2004 قاد زعيمٌ ديني لم يتجاوز 25 عامًا مواجهة مُسلحة ضد الحكومة اليمنية المدعومة سعودية وأمريكيًا، والتي اغتالت أخاه حسين بدر الدين الحوثي، شيخ المرجعية الزيدية في محافظة صعدة – شمال اليمن – الذي أسس جماعة «الشباب المؤمن» – «أنصار الله» فيما بعد – بهدف إحياء الإمامة الضائعة من الهاشميين الذين حكموا اليمن أكثر من ألف عامٍ قبل تأسيس الجمهورية اليمنية الحالية عام 1964.

بمقتل مؤسس الجماعة وأبيها الروحي آلت الزعامة – وسط شكوك بمصير الحركة – لأخيه الأصغر عبد الملك الحوثي، الشاب الذي قاد خمس حروبٍ ضد الرئيس اليمني علي عبد الله صالح حتى عام 2010، دون أن يتمكن صالح من إخضاعه بقوة السلاح، أو طرق السياسة، وهي الحروب التي صنعت نجم زعيم الحوثيين المدعوم من إيران، باعتباره أحد الزعماء الدينيين أمثال أسامة بن لادن، وحسن نصر الله، وحتى زعيم «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» أبي بكر البغدادي.

وحين اندلعت الثورة اليمنية في فبراير (شباط) عام 2011 عاد الحُلم القديم لحركة «أنصار الله» في إعادة الحُكم الهاشمي المسلوب إلى الأمير الشاب؛ فشاركوا في التظاهرات، واستعادوا وجودهم القديم في العاصمة اليمنية صنعاء، وأسسوا شبكة من التحالفات مع القوى السياسية بما فيها عدوهم التقليدي حزب «الإصلاح» اليمني المحسوب على جماعة «الإخوان المسلمين».

لكنّ التقارب الأبرز الذي غيّر مسار الثورة اليمنية، تمثل في التحالف الذي جمع عبد الملك الحوثي بالرئيس المخلوع علي عبد الله صالح – قاتل أخيه – الذي دعم أعداءه القدامى بقوات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة اللتين تدينان له بالولاء من أجل السيطرة على العاصمة صنعاء، والانقلاب على الرئيس اليمني عبد ربه منصور أواخر ديسمبر (كانون الأول) عام 2014.

وبعدما هزم الحوثيون حزب «الإصلاح» اليمني في معقله صنعاء، أعلنت المملكة السعودية في منتصف ليل 25 مارس (آذار) 2015 «عاصفة الحزم» التي كانت بمثابة اللقاء الثاني الذي جمع قوات عبد الملك الحوثي بالجيش السعودي بعد حرب «الخوبة» عام 2009 بعدما اقتحم الحوثيون الحدود السعودية، والتي انتهت سياسيًا حين قرر الملك عبد الله عدم ملاحقتهم في الداخل اليمني.

قبل «عاصفة الحزم»، كان الحوثيون يسيطرون سيطرة كاملة على 12 محافظة من أصل 22 (صنعاء، عمران، ذمار، صعدة، أجزاء من تعز، إب، الحديدة، ريمة، المحويت، حجة، البيضاء، الجوف)، وبعد ثلاث سنواتٍ من الحرب – قدرت تكلفتها 216 مليار دولار – فشلت المملكة في إنهاء القتال الذي تزامن مع انتشار الأوبئة، لذا عقدت الصفقات السرية مع صالح، والتي تمثلت غاياتها في التخلي عن الحوثيين، والإيقاع بهم في مقابل إعادة حلف صالح إلى الحُكم مرة أخرى بطريقة أو بأخرى.

وبعدما أطلق صالحٌ ما أسماه «خريطة طريق للحل»، انطلقت قواته داخل العاصمة صنعاء حاصدة انتصاراتٍ تمثلت في السيطرة على الأماكن الحيوية، لكنّ عبد الملك الحوثي نجح في استدراك قاتل أخيه بنفس الطريقة؛ حيث قصف منزله، ثم استدركه في طرقات الجبال، وأطلق عليه وابل من الطلقات قبل التمثيل بجثته، ورفضتسليمها لذويه، وهي النهاية نفسها التي حدثت لحسين بدر الدين الحوثي.

الزعيم الحوثي الذي انتقم لأخيه، وأجبر الحكومة اليمنيةعلى تقديم اعتذار لحركته عام 2013 على الحروب القديمة، علا نجمه بعد مقتل صالح في مواجهة ضارية ضد كافة القوى اليمنية التي اتحدّت لهزيمته، وبينما كانت قوات التحالف العربي تبدأ عملياتٍ مكثفة من جميع الجبهات في محاولةٍ أخيرة لإنهاء الحرب، تمكّن الحوثيون من الصمود رغم استهداف الصف الأول من قادتهم.

وبالرغم أنّ السعودية وجدت في مقتل صالح فرصة جديدة لحشد أنصاره الثايرين إلى جانب صفوف التحالف والجيش اليمني، إلا أنّ استراتيجية الصمود التي اعتمدها عبد الملك الحوثي لإطالة حرب اليمن وأظهرته قوة مسيطرة على الأرض، انتهت – بحسب مصادر عدة – بفتح قنواتٍ سرية للتفاوض مهدت للاعتراف به طرفًا أساسيًا في المفاوضات، والتي تتزامن حاليًا مع إعلان الحوثيين تطوير منظومتهم العسكرية، وتحويل مسار الحرب للداخل السعودي والإماراتي، فيما بات عبد الملك الحوثي الشاب الذي هزم السعودية، وغيّر مسار الثورة اليمنية، وأصبح مؤهلًا لفرض رؤيته لدولة ما بعد الحرب، في ظل انتصاراته التي قد تُعيد اليمن للتقسيم مرة أخرى إلى شمالي وجنوبي.

Rate this item
(0 votes)

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية