بقلم العميد الكاتب|محمد نبيل

تحكى جداريات معبد رمسيس معركة مجيدة فى التاريخ المصرى القديم وهى ملحمة (قادش) بكل تفاصيلها والتى لم تتغافل عنها حتى أسر الجواسيس والعيون التى استبقت جيوش العدو وجميعها لاقت ذات المصير وهى الهزيمة المنكرة, لذه هي ملحمة تستحق تخليدها ثقافياً بداية من صياغة أوبرا عالمية تعرض مع الإحتفال بتعامد الشمس فى 22 فبراير وهو بداية يوم الحصاد فى التقويم المصرى القديم وتولى رمسيس الثانى عرش مصر, وثانياً فى 22 أكتوبر وهو ميلاد رمسيس الثانى فى دعاية عالمية إيجابية لمدى عبقرية المصرى القديم فى إمتلاك نواصى علوم الفلك والهندسة والرياضة والزراعة والرى وغيرها وتطويعها لصالح الإرتقاء بمقدرات حياته اليومية وأيضاً فى تخليد بطولاته عبر آلاف السنين وتعاقب الأزمنة.
 
 ولا يهرطق أحداً بأن مصر تملك حضارة لا تحتاج إلى دعاية بل هى قادرة على الدعاية التلقائية عن نفسها  وهذا أمر من قبيل السفسطة الساذجة التى تعزف منفردة فى عزلة عن واقع إقليمى ودولى لا يريد خيراً بمصر على الإطلاق والأحداث المتتالية تؤكد نوايا الآخرين نحونا ، فليس من الطبيعى أن تدعوا تلك الجهات شعوبها للسياحة فى مصر وجلب المزيد من العوائد السياحية لصالح المساهمة فى إنماء الإقتصاد المصرى و بالتالى استقلال القرار السياسى ومدى تأثيره إقليمياً ودولياً.
 
بالفعل الأمر يحتاج لدعاية بأسلوب علمى ممنهج لمثل هذا الحدث وليس الحشد المحلى وتجميع – دون عناء- زمرة من السائحين الأجانب, وإضافة إلى ضعف الدعاية الترويجية المحلية عن الفعاليات المصاحبة لهذا الحدث الإستثنائى فى مسار الحضارة الإنسانية, ولنطرح أسألتنا مباشرة؛
 
لماذا لم يقم رجال الأعمال برد الجميل تجاه أسوان والنوبة وجنوب مصر التى تعد من أهم مصادر ثرواتهم سواء من الجرانيت أو الرخام أو المعادن المختلفة وبمعنى مباشر لماذا لم يتكفلوا برعاية حدث تعامد الشمس محلياً وعالمياً؟
 
وثانياً: إذا كانت الكيانات الرسمية قد أدت واجبها كالدعاية الخارجية وخاصة فى الدول المصدرة للسياحة كألمانيا واليابان وروسيا وغيرهم, فلماذا لم يكن المردود عظيم وملموس فى مجال السياحة؟
 
وثالثاً: ألم نتعلم الدرس من استحداث أدوار وتعدد مهام ووظائف السينما العالمية فى الترويج السياحى لدولها فضلاً عن الدعاية فى الريادة التاريخية والثقافية والمساهمة بنسب متباينة فى إرتقاء الواقع الإنسانى ونشر أنساق الثقافة وأنماط السلوك وأساليب التفكير وتُظهر أفضل مقاصدها السياحية على عموم المشاهدين فى أنحاء العالم وكثر من الدراما التليفزيونية والسينمائية التركية والإيرانية بل والخليجية والشامية والمغربية وبالطبع دراما هوليود وبليود تقدم نماذج متنافسة فى كيفية تحقيق أقصى إستفادة من الدراما دعائياً وترويجياً لصالح مجتمعاتها
 
رابعاً : فى خلفيات نقل معبد رمسيس الكثير من المثيرات الإبداعية للمثقفين الأدباء من الشعراء والكتاب, ومن التشكيلين والنحاتين والرسامين والموسيقيين وغيرهم فلماذا لم يبدع الفنان المصرى فى حدث إنسانى كهذا؟
 
  خامساً : عندما دعت مصر فى 1958 اليونسكو لإنقاذ أثار النوبة والتى قامت بدورها بحملة عالمية لجمع التبرعات والتى شاركت فيها أكثر من 51 دولة وكان اللافت للإهتمام هو تبرع دولة منغوليا بمبلغ 230دولار من إجمالى ما بلغت تكلفة إنقاذ معبدى أبوسمبل 36 مليون دولار خلال 1964 وحتى 1968، واستجابة لفكرة النحات أحمد عثمان أول عميد لكلية الفنون الجميلة بالإسكندرية تم تقطيع موقع المعبد إلى كتل كبيرة تصل إلى 30 طناً وفى المتوسط 20 طناً وتم تفكيكها وأعيد تركيبها فى الموقع الحالى على ارتفاع 65 متراً و200 متراً أعلى من مستوى النهر, وذلك بعد رفض المقترح الفرنسى بنقل المعبد من خلال قطع الجبلين المنحوت عليهم التماثيل ونقلهم بشكل كامل إلا أن هذا الاقتراح رفض لصعوبة نقل هذه الأوزان، كما تقدمت إيطاليا باقتراح بعمل بلورة زجاج تحيط به من الماء ويتمكن الزائر من زيارته عبر انبوبة تحت الماء إلا أنه تم رفض الاقتراح وتم الموافقة على اقتراح النحات المصرى، وبالفعل تم قطع التماثيل إلى كتل حجرية بشكل معين وترقيمها، وعند نقل المعبد تم تشييد القطع بشكل عكسى حيث تم البدء فى تشييد قطع حجرة قدس الاقداس لتنتهى بتشييد صرح المعبد, وتلك حكايات تستلزم أعادة تقديمها محلياً وعالمياً خاصة وأنه مازال بجنوب مصر 14 معبد لم يتم تقديمهم للعالم.
 
 ويبقى أن نعرف أن الإحتفال بتعامد الشمس جاء تخليدا لذكرى اكتشاف المعبد عام 1817 بعد أن هُجرت المعابد وأصبحت مغطاة بالرمال, وعندما عثر المستشرق السويسرى جى ألبورخاردت على كورنيش المعبد الرئيسى فى 1813 وتحدث البورخاردت عن هذا الاكتشاف مع نظيره الإيطالى المستكشف جيوفانى بيلونزى, ونجح بيلونزى فى 1817 فى محاولته لدخول المجمع واكتشاف الإعجاز بحجرة قدس الأقداس التى تضم أربعة تماثيل الأول من جهة الشمال للإله راع حاراختى، والملك رمسيس الثانى، وتمثال الإله أمون، وأخيرا تمثال للإله بتاح وهو إله الموت أو العالم الآخر، حيث أن الشمس تنير أوجه أول ثلاثة تماثيل وقت حدوث ظاهرة التعامد مرتين بالعام، وتأبى التعامد على وجه تمثال إله الموت، وذلك لأنه كان فى اعتقاد المصرى القديم أنه من الضرورى أن يظل الإله بتاح فى الظلام وعند إنارته يدل ذلك على نهاية العالم, وإذا كان الهدف من تشييد المعبد بهذه التماثيل الضخمة هو بث الرعب داخل قلوب الأعداء، وتخليد معركة قادش أهم المعارك التى خاضها الملك رمسيس الثانى خلال فترة حكمه, وهنا السؤال الأخير: ألا يستحق هذا الإعجاز العلمى والإنجاز العسكرى مزيد من الإهتمام من أحفاد الفراعنة؟!
 

 
تنويه:
تم نشر هذا المقال بجريدة الجمهورية المصرية في تاريخ 24 فبراير 2019 للعميد و الكاتب و المحلل الاستراتيجي محمد نبيل ...
 
 
 
Rate this item
(0 votes)

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية