بقلم / الكاتب حسن زايد 

المؤامرة هي تدبير بخفاء ، من مُتَآمِر ، ضد مُتَآمَر عليه ، بقصد إلحاق الضرر به ، دون أن يشعر أحد . وذلك المفهوم ـ إن صح ـ ينطبق علي الأفراد ، كما ينطبق علي الدول ، سواء بسواء . مع الأخذ في الإعتبار ، الإختلاف في الأدوات والوسائل والأساليب ، والأهداف والغايات ، ما بين الأفراد والدول .
والدولة المصرية تقع في دائرة التآمر الدولي ، وداخل حزام الزلازل السياسية ، في تلك المنطقة المضطربة من العالم . ولن ندخل في طرح أسباب ذلك للمناقشة ، حتي نخرج من حالة الجدل السوفسطائي حول هذا الموضوع ، والإستغراق فيه .


والدولة المصرية ـ ولذات الأسباب ـ تعد الدولة الرائدة في الإقليم ، بلا منازع . وينافسها بشرف أحياناً ، ودون شرف في معظم الأحيان ـ دولتان هما : إيران الخمينية بإرثها الفارسي ، وتركيا الإخوانية بإرثها العثماني .
ومنذ جلاء الإنجليز عن مصر ، تنازعها توجهان : الأول ـ ناصري اشتراكي ، نزع إلي الزعامة ، ومساعدة الثورات ، وبناء التكتلات ، حتي سقط النظام في فخ الهزيمة . والثاني ـ ساداتي رأسمالي غربي ، نزع إلي الإنكماش ، ورمي أوراق اللعب جميعها في الحجر الأمريكي .
الأول يشاع أنه قتل مسموماً ، والثاني قتل بالرصاص ، علي منصة العرض ، في يوم انتصاره ، بيد الجماعات المتطرفة ، دون أن نكتشف اللاعب الرئيس بعرائس الماريونيت من وراء الستار .
ويبدو أن الأنظمة العربية التي كانت قائمة ـ فيما قبل أحداث ما يسمي بالربيع العربي ـ قد استنفدت أغراضها ، وأصبحت تمثل عبئاً علي كاهل الغرب ، وحان وقت الخلاص منها ، علي طريقة الثورات الملونة في الجمهوريات السوفيتية السابقة .


وإعادة النظر في خرائط سايكس / بيكو التي مضي عليها قرن من الزمان ، ورسم خرائط جديدة تتناسب مع متطلبات العصر ، ومتطلبات الوضع الدولي الجديد ، واحتياجات الغرب والأمريكان من العرب ـ البقرة الحلوب ـ والإحتياجات الأمنية والتوسعية لدولة الكيان الصهيوني الغاصب ، الذي لم تعد الخرائط الحالية ملبية لتمطعاته في المنطقة .
الإشكالية كانت في وجود البديل المؤهل لقيادة المنطقة بخرائطها الجديدة ، وفقاً للأجندة الغرب / أمريكية . وقد وقع اختيارهم علي أصحاب الإتجاه الإسلامي ، الذين تربوا في أحضان الغرب ، وعلي موائده ، وبينهما تاريخ طويل من التآمر وبيع الذمم والضمائر .


ثم كانت الثورات التي دفعت ببن علي إلي الفرار من تونس ، واغتيال القذافي في ليبيا ، ودفع مبارك للتنحي في مصر، وإصابة علي عبدالله صالح في اليمن ـ وقد جري اغتياله مؤخراً ـ وقد تهدمت هذه الدول علي رؤوس شعوبها ، وتفرقت إلي أحزاب وشيع ، يحملون السلاح في مواجهة بعضهم البعض . ولم تفلت من هذا المخطط غير مصر وشعبها ، بعد أن تخلصت من أدران حكم الإخوان .

ولما كان الرهان الغرب / أمريكي علي حصان الإخوان ، تمترسوا وراءهم ـ بعد سقوطهم ـ إلي آخر مدي ، ودعموهم مادياً ومعنويا وإعلامياً ، كي يتسني لهم خوض معاركهم ضد الدولة المصرية داخلياً وخارجياً . ومخططات تلك الحرب أصبحت معلنة ، وواضحة ، ومفضوحة ، علي لسان الفاعلين فيها ، إيواءاً ، وتنظيماً ، وتدريباً ، وتوجيهاً ، وتخطيطاً ، وتسليحاً ، وتمويلاً ، وتنفيذاً ، وتطبيباً ، واستعواضاً . ولم يعد هناك محلاً للقول بوجود مؤامرة ، لأن الفضيحة أصبحت بجلاجل ، تجوب شوارع وحواري وأزقة العالم .
حتي الدول التي كانت مستخفية وراء حجاب ، ظهرت علي السطح ، وظهر دورها ، سواء في تمرير الإرهابيين إلي مصر ، أو حصار الدولة المصرية ، والتضييق عليها ، وخنقها ، في حرب بواح ، وخاصة بعد ثورة يونيه علي نظام الإخوان ، آملين إعادة الإخوان إلي سدة الحكم كرة أخري .


وهناك ثلاث دول تسعي علي قدم وساق لتحقيق المخطط التآمري ، واستكمال دائرة تنفيذه ، مهما كان الثمن ، وأياً كانت التكلفة . وهذه الدول هي السودان وقطر وتركيا . أما السودان بنظامها الإخواني الإنقلابي ، ممثلاً في رئيسها العسكري ، الفريق عمر البشير ، فهي تعد من البداية ، وعلي نحو مبكر ، ممراً آمناً للجماعات الإرهابية ، والسلاح ، دخولاً وخروجاً ، وتعد تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري ، خاصة بعد انحيازها الفاضح إلي أثيوبيا في مفاوضات سد النهضة . وإثارتها لقضية حلايب وشلاتين في الأمم المتحدة ، واعتراضها علي اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية . وتسليمها جزيرة سواكن علي البحر الأحمر ، للنظام التركي الإخواني ، إلي مدي غير معلوم . والسماح بإقامة قاعدة عسكرية لها فيها . وأصبحت هي وتركيا ـ بتمويل قطري ـ ممران لعبور الإرهابيين الفارين من سوريا والعراق إلي ليبيا ، حيث الجبهة الغربية المصرية ، التي يحاولون إشعالها تحت أقدام الدولة المصرية . وذلك بضوء أخضر من الإدارة الأمريكية التي رفعت العقوبات التجارية عنها في شهر اكتوبر من العام المنصرم .


وأما تركيا فهي المأوي المعلن للإخوان ، وغيرهم من الجماعات الإرهابية ، وممر هذه الجماعات لتغذية الجبهات المشتعلة في العراق وسوريا وسيناء في مصر ، وقد صرح رئيس تركيا الإخواني الأسبوع الفائت بأن الإرهابيين الفارين من سوريا والعراق في طريقهم إلي مصر . وبخلاف سعيه للحصول علي جزيرة سواكن السودانية ، فإنه يسعي إلي الظفر بمثل تلك الإتفاقيات في جيبوتي وتشاد ، وذلك لاستكمال حصار الدولة المصرية من حدودها الجنوبية . قد تكون الأحلام الأردوغانية في إعادة الخلافة العثمانية سبباً معلنا لتلك السياسات ، إلا أنه لا تخفي العلاقات الغرب / أمريكية / التركية كدوافع أصلية ، باعتبار أن تركيا عضواً في حلف الناتو ، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بأجندته في المنطقة . صحيح أن بعضهم يلقي في روعنا أن السبب في الموقف التركي ، مرده إلي اتفاقيتي ترسيم الحدود مع قبرص واليونان . إلا إن الموقف التركي ، يعد معلناً منذ البداية من الثورة المصرية علي نظام الإخوان .

أما عن قطر ، فحدث ولا حرج ، وهم قد اعلنوا ذلك ، وأسفروا عن وجههم القبيح ، ودورهم القذر في المنطقة ، وفي مصر . ومن هنا يمكننا القول أن مصر تعيش حرباً دولية ضدها ، إلا أنها غير معلنة ، إلي حد أن بعضنا يذهب في تصوره إلي الإعتقاد بأننا مرضي نظرية المؤامرة ، مع أنه يشم رائحة نعل حذائه المحترق من لهيب تلك الحرب المستعرة علي أرض مصر . فهل آن لتلك الفئة أن تستفيق من أضغاث أحلامها ، أو تتطهر من خيانتها لهذا الوطن .



Rate this item
(2 votes)
Tagged under

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية