مدونة كاسل جورنال-بريد القراء 

 

بقلم |حسن زايد

 

المـســجــد ومـارمـيـنـا

 

الحادث الذي تعرضت له كنيسة مارمينا في حلوان ، من هجوم إرهابي ، له تفصيلات ذات دلالة ، ونمنمات لافته . فلو أنعمنا النظر في تلك التفصيلات ، وتلك النمنمات ، لخرجنا منها بدلالة كبري ، تشي بمرحلة جديدة غير مسبوقة في مكافحة الإرهاب .

ولكن قبل أن نلج إلي هذه التفصيلات ، وتلك النمنمات ،  لابد أن نشير إلي خطأ منهجي في التعاطي مع هذه الأحداث . هذا الخطأ يتمثل في أننا نتناول الحدث بعد وقوعه ، بهدوء وأريحية ، ثم نقلبه علي مختلف وجوهه المحتملة ، ثم نخرج بأحكام قطعية ، بإدانة جهاز الشرطة لتقصيره ، في هذا الجانب أو ذاك الجانب . أو التشكيك في الواقعة ذاتها ، والميل إلي اعتبارها إحدي ألاعيب النظام ، ومسرحياته ، في محاولة لإيجاد سند لشرعيته ، ولو كانت علي جماجم البشر .

وعلي الضفة الأخري للنهر ، نجد المؤيدين للنظام ، وقد حولوا الحادث إلي بكائيات ، ومناحات للولولة ، واستغرقونا في ذلك من منبت الشعر إلي أخمص القدم . ثم سرعان ما يتحولوا بعد ذلك إلي التنظير المتهافت لقضية الإرهاب ، وكيفية مواجهته . ثم يجترون ذات العبارات والرؤي مع كل حادث ، دون أن نلمس فكرة عملية آنية حالة عن كيفية تلك المواجهة .

والقراءة المنهجية للحدث تقول بأن هناك ما قبل الحدث ، وهناك ما بعده ، وهناك ما هو أثناءه . أما ما قبل الحدث ، فهناك في الخلفية دول وأجهزة ، تقوم بالتخطيط والتدريب والتمويل ، وهناك من يختار مخلب القط ، الذي تم إعداده وتجهيزه وتهيئته ، حتي يصبح مؤهلاً للتنفيذ ، فكرياً وعقائدياً ووجدانيا ، ولا يبقي سوي النزوع إلي الفعل / الحدث ، في انتظار الأمر بالتنفيذ ، حتي ينتقل من مشروع شهيد بالقوة إلي شهيد بالفعل  في زعمهم .

ثم يجري تحديد المكان / الهدف ، واستطلاعه ورصده ، والتعرف علي أعداد ومواعيد مناوبات الحراسة ، وأعداد الحراس ، وقدرتهم التسليحية ، وطرق الوصول للهدف ، وذلك وفقاً لخطة زمنية مدروسة .

أما أثناء الفعل / الحدث ، فهناك بدائل عدة ، مرتبة بحسب الأولوية ، تعطي مرونة في التنفيذ . تلك المرونة تستهدف تحقيق الهدف علي أي نحو ولو في حده الأدني .

وأما بعد تنفيذ الحدث ، فيجري سحب الأفراد المعاونة من الموقع ، بشكل سريع وآمن ، إلي مكان سري معد سلفاً ، فكأنهم يتبخرون من المكان ، أو كأنهم أشباح ، لا وجود لهم . ثم يتم الهجوم الإعلامي ، علي الدولة وأجهزتها ، بإعلان المسؤولية عن الحادث ، مصحوباً بالدعاية للتنظيم . والحط من قدراتها ، وتقصيرها في حماية مواطنيها ، بل وأحياناً إلصاق التهمة بها .

ومن المؤكد أن المرحلة الأولي وهي مرحلة ما قبل الحدث ، تكون في غاية من السرية والكتمان ، وربما تتم خارج نطاق الحدود علي غالب الظن ، ولا يتم داخل هذا النطاق سوي الفعل / الحدث . وذلك يوضح مدي الصعوبة التي ينطوي عليها العمل الأمني في هذه المرحلة ، خاصة وأن الجيل / مخلب القط ، ليس مدرجاً ضمن القوائم الأمنية في معظمه ، ومن هنا يصعب رصده وتتبعه . كما أنه يستحيل إخضاع الشعب المصري كله للرصد والتتبع ، حتي يمكن اكتشاف الإرهابي ، وغير الإرهابي ، والتمييز بينهما . ومع ذلك هناك العديد من الأعمال الإستباقية التي تتم نتيجة توافر المعلومات من المواطنين العاديين ، أو توافرها نتيجة الرصد والتتبع لعناصر يتم من خلالها اكتشاف عناصر أخري .

كما أنه لا يخفي أن هذه الجماعات قد تلجأ إلي أساليب تكتيكية ، نتيجة أن خلفيتها القتالية مستمدة من أجهزة مخابراتية ، من بينها الدفع بعنصر أو أكثر من عناصرها كمفرزة أمامية ، بقصد استكشاف التمركزات الأمنية أو المصدر الرئيسي لها ، والدفع بها من مكان تمركزها إلي ساحة الحدث / الهدف ، وبالتالي يتم إخلاء ممرات أخري لعناصر التنفيذ ، أو ضرب منطقة ما كهدف فرعي للفت الإنتباه والإنصراف عن تأمين الهدف الرئيس ، مما يسهل الوصول إليه ، وضربه .

وبالولوج إلي نمنمات وتفاصيل حادث كنيسة مارمينا بحلوان ، سنجد أن فيديوهات الحادث التي تم تداولها علي مواقع التواصل ، قد سبقت تفريغ كاميرا المراقبة ، وقد رصدت الهواتف النقالة ، الحدث لحظة بلحظة . وبذا يكون الإعلام الشعبي قد سبق الإعلام الرسمي والخاص في نقل الحادث . وهذا يدحض ما كان يروج له البعض من أن الحادث مدبر ـ شأنه شأن معظم الحوادث ـ من قبل أجهزة النظام .

وقد جاء حادث الكنيسة بعد حادث مسجد الروضة ببئر العبد في سيناء ، ليفصح عن هوية الإرهاب الدينية ، وأن المسألة لا علاقة لها بالدين ، واضطهاد الأقلية المسيحية ، كما ذهب تقرير الكونجرس الأمريكي المسيس ، الذي سبق الحادث ، وكأن الحادث قد جيء به للتخديم عليه .

كما أنه جاء ليكشف نقلة نوعية فارقة في مكافحة الإرهاب ، وهي المشاركة المجتمعية العفوية في تلك المكافحة ، التي جعلت الإرهاب بلا قاعدة مجتمعية تحتضنه وتؤيه ، وهدم وهم تصور انحياز المجتمع لمشروعه ، ففقد القضية والهدف ، وفقد مبرر الوجود وعلته . وهذه المشاركة جاءت من المسلمين قبل المسيحيين ، بل وصلت إلي حد أن إمام أحد المساجد المجاورة كان يستصرخ الناس من خلال ميكروفونات المسجد ، ليهبوا لإنقاذ " اخواتنا " في الكنيسة .

هذه هي التفصيلات ، والنمنمات الصغيرة ، لو تجمعت في لوحة واحدة ، بترتيبها الصحيح والدقيق ، لبرز أمام أعيننا عنوان كبير ، يدشن لمرحلة جديدة في مواجهة الإرهاب ، يكون فيها المسجد كتف بكتف مع الكنيسة في مواجهة مصاصي الدماء الجدد .

--------

مدونة كاسل جورنال - بريد القراء 

مرسل من :

حسن زايد

57 سنة

مدير عام

العاشر من رمضان ـ مصر

 

Rate this item
(1 Vote)

من نحن

كاسل جورنال  صوت الانسان الحر والأولى المتخصصة في الاعلام الدبلوماسي والثقافي والعلمي

كاسل جورنال  جريدة دولية إلكترونية يومية  حاصلة على الترخيص الدولي من قبل المملكة المتحدة برقم  10675 ومعتمدة من قبل السفارة المصرية بلندن ، مالكتها دكتورة عبير المعداوي 

حاصلة على جميع تصاريح المزاولة للعمل الصحفي  بكل دول العالم  والهيئات والمنظمات الدولية والعالمية والحكومية والمحلية والحقوقية

كاسل جورنال  تصدر بعدد من اللغات والطبعات المستقلة على المستوى الالكتروني  كما يلي ؛ 

كاسل جورنال العربية ’كاسل جورنال الإنجليزية ’كاسل جورنال الروسية ’كاسل جورنال الصينية