مدير مكتب ومراسل كاسل جورنال في العراق: محسن الحلو


قرر طفل لا يتجاوز عمره (12) ربيعا اختراق حقول الألغام، وكان مع أهله ومجموعة من العوائل النازحة، بعد أن تعرضوا إلى أبشع التعذيب والإرهاب من عصابات داعش، خلال المعارك التي خاضتها القوات العراقية قرب مدينة الموصل، التي تبعد ما يقارب (4 65) كم شمال العاصمة العرقية بغداد.

خيم جو من الهلع والذعر والخوف، على وجوه أكثر من (165) عائلة هربت من قرية الأجنسة الواقعة بين القيارة والشرقاط خوفا من بطش "داعش"، وهي تضم (300) فردا بين طفل وامرأة ورجل مسن ومعاق، وبعد السير على الإقدام مسافة (3)كم باتجاه قاعدة القيارة (60)كم جنوب مدينة الموصل، وجدت العوائل نفسها أمام حقول من الألغام زرعتها عصابات داعش بطول (2كم) تفصلهم عن القيارة، بعد أن أضل الدليل الذي يصطحبهم طريقه قرب منطقة الشباني، وهنا كان لهم مع الموت موعد أخر، باختراق حقول الألغام، حيث كانت أشلاء جثث من سبقوهم في الهرب متناثرة هنا وهناك، او التوقف عن المسير وانتظار الطريقة القتل التي يختارها لهم الدواعش.
ما هي إلا دقائق وانبرى (احمد راشد الكوالط) وهو رب أحد الأسر الفقيرة المتكونة من (12) فرد، مضحيا بنفسه ليقتحم حقول الألغام أمامهم، وطالبا من الجميع السير خلفه بمسافة كافية، وتجنب خطر انفجار الألغام فيما لو انفجر عليه.


ووسط لحظات صمت وذهول وقلوب متأسية وعيون دامعة وأخرى حائرة ودائرة تبحث عن منفذ للحياة، برز طفل، وهو الابن الأكبر لرب الأسرة الذي قرر اختراق حقول الألغام، واسمه (علي) وهو لا يتجاوز (12) ربيعا من العمر، رافضا أن يتقدم أبوه، واجهش بالبكاء أمام تلك العوائل وفي لحظات حاسمة ومؤلمة أبكت جميع الموجودين، توجه (علي) لأبيه بشجاعة قل نظيرها بالقول: أن ذهبت أنت يا والدي وانفجر عليك لغم، فما هو مصيري أنا وأمي وأخوتي الصغار؟ ومن يعيلنا بعدك؟ فأن الله جعلك معيلنا الوحيد وأنا لا أقوى على ذلك، فدعني أنا الذي اخترق الموت لأنقذكم أو أكون الضحية من اجل سلامة الجميع.


رفع الأب والأم وجميع أفراد العوائل النازحة أيديهم إلى السماء بالدعاء، وبين صراخ وبكاء ودعاء، وأم تغمض عينيها حتى لا ترى أشلاء شبلها وهو يراوغ بين الألغام مضحيا بنفسه، وهو يمشي ويخط بالعصا التي كانت بيده طريق النجاة لأهله وأبناء قريته في حقول الألغام المخفية تحت الأرض.
مرت ثواني ودقائق وساعات عصيبة، وكأنها سنين بل عصور عليهم، وإذا بـ (علي) في الجهة الأخرى من حقول الألغام وهو يلوح بيده وينادي بأعلى صوته، "سيروا على الخط الذي خطيته بالعصا الواحد بعد الأخر"، وبهذا عبر (300) شخص بسلام حقول الألغام ليصل الجميع سالمين إلى القوات الأمنية العراقية المتواجدة في منطقة القياره.
حضن الجميع عليا، وهنئوه على شجاعته، وهم يبكون ويشكرون الله أولا ثم عليا على سلامته فهو جازف بحياته وتخطى الموت من اجلهم.


في ما أكد مسؤول سرية عمل تطوعي للنازحين واسمه رمضان الجبوري، لمراسل كاسل جورنال في العراق، "إن علي ينتمي إلى عائلة أصيلة وفقيرة، وهو يعيش في مكان لا يليق بهكذا بطل، وان عصابات داعش قامت بهدم وحرق منزل والد البطل علي بجميع أثاثه، وانه لم يحصل على أي تكريم سوى تكريم وفد العتبة العباسية المقدسة وفرقةُ العبّاس القتالية".
وبين الجبوري، "أن هذا الطفل مع العوائل الذي رافقته اثبتوا للعالم إن جرذان داعش القادمين من جحور الضلالة والرذيلة، هم أعداء الطفولة والإنسانية، وان العراقيين الأصلاء متمسكون بوحدة بلدهم ومتماسكون فيما بينهم شيعة وسنة ومسيحيين وايزيدية عرب وكرد وتركمان، وكل الطوائف الأخرى، مستشهدا بهذا التماسك بلجوء هذه العوائل إلى القوات الأمنية العراقية، وهم هاربون من عصابات الحقد والكراهية المجرمين الدواعش ومن يساندهم".


يذكر إن مدينة الموصل سقطت بيد"داعش" او ما يسمى "دولة الخلافة الإسلامية" في 9/ حزيران / يونيو / 2014 ، وقد تعرض ملايين العراقيين منذ ذلك التاريخ إلى أبشع صور الإرهاب، وشمل الجلد وإقامة الحد والصلب والذبح والحرق والبطش بأنواع الأسلحة التي ابتدعها أعداء الطفولة والإنسانية الإرهابيين الدواعش وهم يمثلون جنسيات مختلفة لكنهم مشتركون ومتحدون ومتفقون على نشر الدمار والقتل والإبادة الجماعية لكل ما يمثل الحياة، فالدواعش يرتوون بالدماء لا بالماء ويتلذذون بتعذيب الإنسان وسلب إرادته وحريته.


وخاضت القوات العراقية بجميع صنوفها وبمساعدة قوات التحالف الدولي العديد من المعارك، قدم فيها الشعب العراقي الآلاف الشهداء، وحرروا اغلب المدن والقصبات من عصابات داعش التكفيرية، ابتدءا من معركة منطقة جرف الصخر، وتلتها معارك أخرى، بعد صدور ما يسمى بفتوى الجهاد الكفائي التي أطلقها المرجع الشيعي الأعلى علي السيستاني في خطبة الجمعة من مدينة كربلاء العراقية في 13/ حزيران / يونيو / 2014 ، بعد أن وصل الدواعش إلى حدود العاصمة بغداد وبعض المحافظات العراقية الأخرى، وتطوع خلالها ملايين العراقيين بمختلف طوائفهم ودياناتهم في الحشد الشعبي دفاعا عن الأرض والعرض والمقدسات، وقد أعلن رئيس الوزراء العراقي والقائد العام للقوات المسلحة الدكتور حيدر العبادي، يوم 17 تشرين الأول 2016، بدء عمليات (قادمون يانينوى) لتحرير الموصل من تنظيم داعش الإرهابي.

 

 

Rate this item
(2 votes)
Tagged under
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…