هناك دائماً في كل مدينة مرجفون ، يسعون بين الناس بالكذب ، يبذرون الفتنة ، ويبغون الفساد . هم في مجتمعاتهم كالسرطان في الجسد ، لا يتركونه إلا جثة هامدة . وكما أن إكتشاف السرطان مبكراً مدعاة لتزايد فرص الشفاء منه ، كذلك هم ، والعكس بالعكس صحيح .

وفي أوقات الثورات ، والإضطرابات الإجتماعية ، وعدم الإستقرار السياسي والإقتصادي ، حيث تسود المجتمعات مشاعر عدم اليقين ، ينشط المرجفون . ففي هذه الأوقات تتوفر التربة الصالحة لأنشطتهم المحمومة ، وفيها ترجي ثمارها المسمومة .

ومصر في ظل الأوضاع الدولية والإقليمية الحالية ، تتعرض لحملات مسعورة ، تستهدف الضغط علي مفاصل الدولة ، بقصد تفكيكها ، وتقسيمها ، وتقزيمها ، إنفاذاً لمخطط سايكس / بيكو الجديد ، الذي يخدم الكيانات المتنمرة المحيطة بها ، سواء خدمة لأنفسها ، أو لقوي دولية أخري .

هذه القوي تستخدم أذرع داخلية ، لممارسة ما خططت له من عبث ، سواء بالسعي بالكذب ، أو بذر بذور الفتنة  ، وآخر الأفاعيل ما قامت به شخصيات المفترض أنها مصرية ، من اصدارها بيان بشأن الإنتخابات الرئاسية ، تضمن الهجوم علي كافة أجهزة الدولة ، واختلاق أوجه نقص مدعاة ، وانتقادها ، وتشديد الهجوم عليها . ولو جاءت هذه الإنتقادات منفردة ، لأمكن الزعم بوطنيتها ، أياً كانت ، إلا أنها جاءت لاحقة ، ومتزامنة ، لذات الحملة الخارجية ، بنفس عباراتها ومفرداتها ، وتوجهاتها ، وغاياتها التي تتغياها . علي نحو يضعهما سوياً في سلة واحدة ، دون تنافر ، أو تناقض ، أو تضارب .

فقد تم عنونة البيان بـ : " بيان بخصوص مصادرة حق المصريين في انتخابات رئاسية حرة " . وهو عنوان يصادر ابتداءً علي المطلوب . ثم استهل البيان بـ : " يدين الموقعون علي هذا البيان كل الممارسات الأمنية والإدارية التي اتخذها النظام الحالي لمنع أي منافسة نزيهة له بالإنتخابات القادمة " . ولم يقدم الموقعون أية دلالة عملية علي ما يزعمون ، وإنما فقط كلمات خبرية مرسلة تحتمل الصدق والكذب . ولم يبينوا ما هي العلاقة المنطقية بين ما زعموه حول الممارسات المزعومة الحالة آنياً ، ونزاهة انتخابات لم تبدأ وقائعها بعد ، وفشلوا في الربط بين الأمرين .

وقد توهموا أن الركون علي حادث الإعتداء علي هشام جنينة ، كافياً للتبرير والربط . وهو ربط وتبرير متهافت ، لأن السيد جنينة قد انفكت علاقته بالإنتخابات ، بمجرد انتهاء موقف عنان قبل الترشح . أي أنه لا هو ، ولا من اختاره نائباً ، له علاقة بقصة الإنتخابات ونزاهتها .

وقد صيغت هذه الفقره علي نحو يضع الأجهزة الأمنية والإدارية للدولة في مواجهة عدائية مع جموع الشعب ، علي نحو غير مبرر وغير مشروع ، بما يمثل تحريضاً ضد هذه الأجهزة ابتداءًا ، قبل أن تبدأ ممارساتها المزعومة . والتفسير لذلك الوحيد هو السعي تحت ظلال التوجه الخارجي المعادي لمصر .

ثم انتقل البيان من التشكيك في نزاهة الإنتخابات إلي العراقيل الإنتخابية منتهجاً نفس النهج ، حيث استطرد البيان : " وقد كانت عراقيل الإنتخابات قد بدأت مبكراً ، بإشاعة مناخ الخوف الأمني ، والإنحياز الإعلامي ، والحكومي " . ولا أدري كيف وقع ذلك دون أن يستشعره المجتمع ؟ . آحالة الإستنفار الأمني لمواجهة الإرهاب تمثل تخويفاً لمن ينتوون الترشح  ، أم ماذا ؟ . ولا أدري ما هو المقصود بالإنحياز الإعلامي في عصر السماوات المفتوحة بلا ضابط أو رابط ، والإعلام خارج السيطرة الحكومية  ، فضلاً عن تشكله من الإعلام الخاص ؟ . كما لا أدري ما الذي يجب علي الحكومة أن تفعله حتي تبدوا غير منحازة ؟ . ثم يتحدث البيان عن ضيق الجدول الزمني الذي يتيح فرصة حقيقية للمتنافسين لطرح أنفسهم . وهو ما يذكرني بحال التلميذ البليد ، الذي شرع في المذاكرة ليلة الإمتحان ، ثم تعلل بضيق الوقت . مع أن تلك الجداول الزمنية ينظمها الدستور والقانون ، ولا دخل فيها للنظام القائم .

ثم يمضي الموقعون في مزاعمهم قائلين ، بأنهم شهدوا : " محاولة إفراغ الساحة من كل المرشحين " . وفي ذلك تدليس مفضوح لأنه ليس هناك مرشح إلا بعد التقدم بطلب ترشيح ، وقبوله ، وقبول الأوراق المطلوبة ، وإدراجه ضمن كشوف المتقدمين ، وغلق باب الترشح ، وإعلان قائمة بالمترشحين . فلا أدري كيف يتم إفراغ الساحة من كيانات غير موجودة من الأصل ؟ . ومع ذلك ذهبوا إلي حصر من زعموا أنهم مرشحون ، وتم إفراغ الساحة منهم ، وهم :

ــ خالد علي ـ محامي وحقوقي ، زعم البيان بأنه قد تم تلفيق قضية هزلية له . والقضية لا ملفقة ، ولا هزلية ، وإنما تمثل اقتراف فعل فاضح ، مسجل صوتاً وصورة ، ومنتشر علي مواقع التواصل . كما أن هذا الفعل لم يكن له أثر في إعلان خالد علي سحب نيته في الترشح ، لأسباب لم يعلن عنها ، ربما لعجزه عن جمع التوكيلات اللازمة .

ــ العقيد مهندس / أحمد قنصوة ، زعم البيان بأنه قد سجن بعدما اضطر لإعلان نيته في الترشح ، بعد رفض استقالته لسنوات . وهذا يعني مخالفته الأوامر العسكرية ، واختراق القانون العسكري ، مما يستوجب معه العقوبه .

ــ الفريق / أحمد شفيق ، وقد زعم البيان أنه تعرض لضغوط في منفاه ، ثم ترحيله قسراً . ونسي البيان أن منفاه كان اختيارياً ، ولم يكن منفاً وإنما ملاذا بعد هروبه ، وقد جري ترحيله قسراً بعد اساءته إلي الدولة المضيفة . وقد أقر الرجل بذلك ، واعتذر عن اساءته . ولا علاقة للنظام بكل هذه السيناريوهات .

ــ محمد انور السادات ، وقد زعم التقرير انسحابه لتعرضه لضغوط أمنية  . وهو في الحقيقة نائب سابق بمجلس النواب تم فصله لأسباب متعلقة بإتصالات بجهات أجنبية ، وتقديم معلومات مترجمة إليها ، واتهامه بتزوير توقيع زملاء له علي مشروع قانون ، وترأسه إحدي الجمعيات التي تتلقي تمويلاً أجنبياً .

ــ الفريق / سامي عنان ، وما حدث معه معروف ومعلن ، و لا محل فيه لأي مزايدة . فالرجل أخطأ وتجري محاسبته وفقاً لقانون الأحكام العسكرية .

تلك هي صور التضييق والتنكيل التي زعمها البيان ، والدالة علي انعدام حياد أجهزة الدولة في زعمهم .

ويبقي السؤال الأهم لمصدري هذا البيان ، والذي مؤداه : وما هو المطلوب ؟ . الحقيقة أنهم لم يفتهم الرد علي هذا السؤال في عدة نقاط :

ــ وقف الإنتخابات واعتبارها فقدت الحد الأدني من شرعيتها .

ــ وقف أعمال الهيئة الوطنية للإنتخابات وحل مجلسها .. الخ .

ــ ندعو شعبنا العظيم  لمقاطعة هذه الإنتخابات كلياً ، وعدم الإعتراف بأي مما ينتج عنها  ... الخ .

ــ  ندعو كل قوي المعارضة الفاعلة لتشكيل تجمع يدرس الخطوات والخيارات القادمة ، ويستدعي الشراكة الشعبية فيها .

تلك المطالب هي خطوات للهدم ، والبدء من نقطة الصفر مرة أخري ، كما حدث بعد 2011م ، وكان حصاد كل ذلك وجماعه ، حكم عصابة الإخوان الإرهابية .

هذا بخلاف صدور البيان عن شخصيات مدلسة انتحلت صفات ليست لها ، وإنما هو نوع من الإختلاق والنصب السياسي . ولذا لم يقم الشعب المصري لهم ولا لبيانهم وزناً ولا اعتباراً ، لأن إرجافهم في الداخل ما هو إلا صدي لإرجاف الخارج . ولا وطنية بأردية الوطن .

 

Rate this item
(1 Vote)
We use cookies to improve our website. By continuing to use this website, you are giving consent to cookies being used. More details…